logo www.alahmad.com

 الحوثيون

د. ناصر بن محمد الأحمد

تعريفات مهمة:

الحوثيون:

هذا الإسم أطلق على الحركة التي أسسها "بدر الدين الحوثي". وهذا الرجل أصله زيدي من الفرقة الجارودية، لكنه تغيّر فيما بعد إلى المذهب الاثنى عشري. فهي حركة تمرد باطنية تأسست في صعدة شمال اليمن، انشقت عن المذهب الزيدي، تسير على نمط حزب الله في لبنان دينياً وسياسياً، يعتنقون أفكار وعقائد الرافضة الاثنى عشرية، ينتسبون إلى زعيم التمرد الأول حسين بدر الدين الحوثي، يسمون أنفسهم تنظيم "الشباب المؤمن".  وزعيمهم الروحي هو بدر الدين بن أمير الدين بن الحسين بن محمد الحوثي ولد في 17 جمادى الأولى سنة 1345هـ بمدينة ضحيان، ونشأ في صعدة، يعدُّ الأب الروحي للجماعة، يبلغ من العمر الآن قرابة 85 عاماً، نشأ زيدياً في فرقة الجارودية التي هي أقرب فرق الزيدية للرافضة، رحل إلى طهران وأقام بها عدة سنوات، استماله الرافضة الاثني عشرية إليهم خلال إقامته في طهران.

فالحوثية حركة سياسية تعد تطوراً لتيار الإمامية الجارودية الشيعية في اليمن مستغلة التوغل الاثنى عشري الإيراني في المنطقة. وكشفت عن نفسها عبر سلسلة من الأحداث بين عامي 2004-2006م مستغلة سوء الأحوال الداخلية في اليمن سياسياً ومعيشياً، وكذا الأوضاع على المستوى الإقليمي والذي ازداد توتراً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م. ولم تكن الحوثية بهذا المصطلح معروفة في اليمن إلا بعد اندلاع المواجهات العسكرية بينها وبين السلطات اليمنية في 18 يونيو 2004م.

موقف الحوثيين من أهل السنة:

- تكفير الصحابة وعلى رأسهم: أبوبكر وعمر وعثمان.

- اعتبار أهل السنة نواصب، ويقولون بأن التأمين شعار النواصب.

الزيدية:

هم أتباع المنهج الذي وضع أصوله زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قاد الإمام زيد ثورة ضد الأمويين زمن هشام بن عبد الملك سنة 122هـ. وقد دفعه لهذا الخروج أهل الكوفة ثم ما لبثوا أن تخلوا عنه وخذلوه عندما علموا بأنه لا يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا يلعنهما, فاضطر لمقابلة الجيش الأموي وما معه سوى 500 فارس, حيث أصيب بسهم قضى عليه.

والزيدية منهج محسوب على الشيعة وإن كان فيه تقارب كبير مع أهل السُّنَّة، وهم لا يقولون بمعظم البدع والخرافات التي يتكلم بها الشيعة الاثنى عشرية. وبالمناسبة فإن الكثير من علماء السنة يعتبرون "زيد بن علي" من علماء السنة الأفاضل، وهو كذلك، فهو من الأئمة الأعلام، وكان ينادي بالخروج على أئمة الجور، وكان يُعظِّم من شأن الصحابة، وكان يُقدِّر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، غير أنه كان يرى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أفضل منهما. وهذا غير صحيح، مع جلالة قدر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومع ذلك فزيد بن علي كان يرى صحة خلافة أبي بكر وعمر لأنه يجوز عنده ولاية المفضول في وجود الفاضل. وهو بذلك يختلف اختلافًا جذريًّا عن الشيعة الاثنى عشرية الذين يرفضون إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل يتقربون إلى الله بلعنهم.

عقائد الزيدية وأفكارهم:

يجيز الزيدية أن يكون الإمام في كل أولاد فاطمة, سواءً أكانوا من نسل الإمام الحسن أم من نسل الإمام الحسين. الإمامة لديهم ليست بالنص, وهي ليست وراثية بل تقوم على البيعة, ويتم اختيار للإمام من قبل أهل الحل والعقد. جمع المذهب الزيدي في نشأته بين فقه أهل البيت والاعتزال, مع الميل في الفروع للمذهب الحنفي، وتبنى قاعدة مشروعية الخروج على الحاكم الظالم, وهي القاعدة التي طبقها الزيدية جيلاً بعد جيل. يجيزون وجود أكثر من إمام في وقت واحد في قطرين مختلفين. يجيزون إمامة المفضول مع وجود الفاضل. يقرّون خلافة أبي بكر وعمر, ولا يلعنونهما. يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالعقيدة في الله تعالى والقضاء والقدر. يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار.

أوجه التشابه بين الزيدية والاثنى عشرية:

كلاهما من فرق الشيعة. يتفقون في زكاة الخمس. ويرون جواز التقية إذا لزم الأمر. وأحقية أهل البيت في الخلافة. وتفضيل الأحاديث الواردة عنهم على غيرها, وتقليدهم. ويقولون "حي على خير العمل" في الأذان.

نقاط الاختلاف بين الزيدية والرافضة:

الاعتقاد

الرافضة

الزيدية

الإمامة

12 إماماً بالنص ولا يقرون بإمامة زيد بن علي

الإمامة بعد علي والحسن والحسين فيمن يتحقق فيه شرط الإمامة من البطنين

العصمة

العصمة للاثنى عشر

لا يقولون بالعصمة ولكن بالاجتهاد

التقية

يقولون بالتقية

لا يقولون بها

المهدي

الغائب في السرداب وهي من أصول الدين

لم يولد واسمه محمد بن عبدالله وليست من أصول الدين

الرجعة

يؤمنون بالرجعة

لا يؤمنون بالرجعة

المتعة

تأخذ بالمتعة وتفعلها

لا تقرها

يتفقون في مسائل أهمها:

العدل. الوصية. الصحابة. مذهب المعتزلة في الصفات.

بداية الزيدية في اليمن:

أول من أدخل المذهب الزيدي إلى اليمن الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، المعروف بالهادي, في نهاية القرن الثالث الهجري. وقد استطاع الهادي أن يقيم دولة له في صعدة شمالي اليمن. فكان المؤسس الأول للدولة الزيدية، وكان عالما فقيها مجتهدا، ومعه دخل المذهب الاعتزالي الذي أصبح لصيقاً بالزيدية إلى اليمن. وهو من أحفاد الحسن بن علي. ولد بالمدينة ورحل إلى اليمن سنة 280هـ, فوجدها أرضاً صالحة لبذر آرائه الفقهية. استقر في صعدة وأخذ منهم البيعة على إقامة الكتاب والسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطاعة في المعروف. بدأ الإمام الهادي حركته الإصلاحية بلم الشمل والقضاء على الفرقة والاختلاف, حتى استطاع أن يحكم معظم أنحاء اليمن وجزءاً من الحجاز. خاض الزيدية خلال تاريخهم حروباً عديدة مع القرامطة الباطنية. استمر حكم اليمن بيد أولاد الهادي وذريته حتى قيام الثورة اليمنية سنة 1382هـ (1962م)، وهي أطول فترة حكم في التاريخ لآل البيت حيث دام أحد عشر قرناً. تشير بعض المصادر إلى تقدير نسبة الزيدية بـ 45% من سكان الجزء الشمالي من اليمن، ويتركزون في المحافظات الشمالية. أما اليمن الجنوبي فأهله من السنة الشافعية.

فدولة الهادي "الزيدية" فقد استمر بقاؤها في اليمن قرابة 11 قرنا، عاشت خلالها فترات اتساع شملت مناطق عديدة من اليمن، وفترات انكماش ضاقت فيه إلى حدود انطلاقتها في صعدة. كما أنها شهدت صراعا داخليا بين الأئمة، وصراعا خارجيا مع دولة الخلافة أو دويلات أخرى مجاورة. ولم تنعم دولة الأئمة بفترة استقرار طويلة بل كانت منهكة بالحروب الداخلية والخارجية! وانتهت دولة الزيديين بإعلان الجمهورية العربية اليمنية في 26 سبتمبر 1962م.

خصائص الدولة الإمامية طيلة حكمهم لليمن:

- ليست ذات نزعة وطنية: لا تحافظ على وحدة الوطن شعبياً أو جغرافياً ولا تسعى لاستعادة المبتور منه ولا تبالي بتشطيره.

- تمزيق المجتمع: أسوأ ما فعلته الإمامة في حياة اليمنيين أنها مزقت شملهم وأوجدت بينهم العداوة والبغضاء والحقد والتنافر لكي يظلوا حطباً لبقائها.

- ليست ذات رؤية حضارية: لا تسعى إلى القيام بدور حضاري يسهم في خدمة البشرية، بل تتسم بطابع قروي أسري منطو على نفسه متقوقع في إطاره يعمد إلى إسقاط الهوية الحضارية لعموم الشعب فداءً لهوية مذهبية تؤصل حقها في العرش.

- ليست ذات منحى تنموي: دولة قحطية، فلا هي ترعى وطناً فتبنيه، ولا هي تتركه في حال سبيله، بل على العكس يأتي الأئمة ليهدموا ما كان قائماً.

- ليست ذات بعد إنساني: دموية تسعى إلى تصفية الخصوم بشتى وسائل الإبادة، غاشمة لا تقبل الالتماس، ولا تعفو عند المقدرة.

- لاهوتية الخطاب: الحاكم بأمر الله هو ظل الله في الأرض، ومستودع علمه وعصمته، بيده الإنس والجنّ وإليه الأمور، يهاتفه المولى في خلواته، ويأتيه النبي في المنام، ويخبره الجنّ عن بخطط العصاة.

- ليست ذات طابع مبدئي: بدأت بالزيدية ثم الجارودية والآن الاثنى عشرية.

- لا يكتب لها الاستقرار: بسبب التنازع على السلطة، بين الأسرة الحاكمة من جهة وبيقة الأسر الهاشمية من جهة ثانية، وبين الشعب المحروم من جهة ثالثة.

الجارودية:

فرقة مغالية في المذهب الزيدي تنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني الأعمى الكوفي، الذي كان يفسق المشايخ كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، والجارودية تعد من غلاة الزيدية، وهم في الحقيقة روافض، ومذهبهم أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي بن أبي طالب لمخالفتهم النص الوارد عليه. وباقي فرق الزيدية يكفرون الجارودية لتكفيرهم الصحابة. ويقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه بالوصف دون التسمية، وأن الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن الناس قد قصّروا حيث لم يتعرفوا ولم يطلبوا الوصف وإنما نصّبوا أبابكر باختيارهم فكفروا بذلك، وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة إمامه زيد بن علي، فإن زيداً لم يعتقد هذا الاعتقاد.

ويرى بعض الباحثين أنها طائفة مستقلة عن الزيدية ولكنها تسترت بها، ويستشهدون لذلك بكون أبي الجارود كان معاصراً للإمام زيد بن علي. وذكر أهل التاريخ أن أحمد بن الحسن الجارودي هو الذي حك اسمي: أبي بكر وعمر من الجامع الكبير بصنعاء.

مقدمة:

الحديث عن حركة الحوثي تلتقي فيه عوامل الدِّين والتاريخ والجغرافيا، فباعتبارها حركة سياسية ذات بعد مذهبي يظل تناولها بعيدا عن هذه الجوانب مبتورا وخارج الإطار الطبيعي لفهم الحقيقة كاملا. فاليمن من أقدم البلدان التي شهدت مولد الحضارات الإنسانية منذ وجود البشرية على وجه البسيطة. وقد حكى لنا القرآن الكريم في ثنايا الحديث عن الرسالات السماوية عن عاد وهي من الحضارات الأولى التي نشأت عقب طوفان نبي الله نوح عليه السلام. قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَة)، والحديث موجه لعاد على لسان هود عليه الصلاة والسلام. وكانت مساكنهم في الأرض في مكان يطلق عليه (الأحقاف)، وهي تقع شمالي هضبة حضرموت امتدادا إلى عُمان على الأشهر والأظهر من الأقوال. وعليه فإن اليمن كما جزيرة العرب تُعدُّ من أقدم البلدان التي سُكِنت وقامت فيها أشكال من التجمعات البشرية، وهذا يعود إلى طبيعة أرضها ووفرة مياهها وحسن مناخها. وكما هي الحال، فقد تعاقبت على اليمن عصور من التوحيد والإيمان وعصور من الشرك والكفر. وظهرت فيها الوثنية وعبادة النجوم والكواكب والشمس والقمر. وقد حكى لنا القرآن الكريم كيف أنَّ اليمن في عهد نبي الله سليمان صلى الله عليه وسلم كانت تعيش في جاهلية الشرك.

التشيع مذهب واحد، بعضه يؤدي إلى بعض. بدأ التشيع في إيران زيدياً ثم ترقى إلى مراتب الرفض عبر الصفويين. أما في اليمن فقد حولوا الزيدية إلى الهادوية ثم إلى جارودية رافضية.

وحيث أنه لم يكن للاثنى عشرية ظهور بارز في اليمن قبل الثورة، فإن النظام الجمهوري الناشئ لم يحمل موقفا أيديولوجيا تجاه هذا الفكر وهذا المذهب. كما أنه لم تكن في ذلك التاريخ (1962م) دولة تمثل هذا الفكر على كوكب الأرض أصلاً. فدولة الملالي في إيران ظهرت عام 1979م بعد القضاء على الحكم الملكي (الشاهنشاهي) الفارسي المتمثل في أسرة آل بهلوي والذي كان بدوره حكما علمانيا.

ومع قيام الثورة الإيرانية المنتسبة للإسلام، رحب اليمن الشمالي بها، وأرسل وفدا للتهنئة بقيامها. إلا أن هذا الترحيب الرسمي بهذه الثورة سرعان ما تحول مع قيام الحرب بين إيران والعراق إلى رفض ونبذ. حيث وقفت القيادة السياسية إلى جانب العراق، وأعلنت عن موقفها المساند له، وقدمت له بعض المعونات وشاركت بمجندين وخبرات عسكرية إلى جانب العراق في حربه مع إيران. وكان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح من الزعامات العربية القليلة التي زارت ميادين المعركة في حينه.

ولم تكن اليمن نشازا من بين الدول العربية في موقفها هذا. فقد انحازت كل الدول العربية لطرف العراق، لأنه حامي حمى القومية بالنسبة للقوميين والمدافع عن الخليج بالنسبة لليبراليين؛ وكانت أعين الخميني حينها تتطلع بنهم إلى القطعة الخليجية الدسمة.

استمر الموقف اليمني المساند للعراق حتى نهاية الحرب في أواخر الثمانينات، هذا الموقف بالطبع سُجل على اليمن، وظل محفورا في ذاكرة القيادة الاثنى عشرية في إيران، وهي التي لا تنسى المظلوميات التاريخية!.

غير أن اليمن رغم موقفها ذلك، لم تقطع علاقاتها بإيران، ولم تتخذ أي تدابير أمنية بشأن أي ممارسات للوجود الإيراني المتمثل في السفارة الإيرانية بصنعاء، والوافدين إليها من طهران. فلم يكن هنالك شيء لافت للانتباه على السطح، وظنت اليمن أنها في مأمن مما يجري بين إيران والعراق. غير أن الحقيقة كانت غير ذلك!. فهناك من يشير إلى وجود تبشير ونشاط شيعي مستخف في اليمن خلال فترة الثمانينات. وهذا الأمر أكده نائب رئيس الوزراء لشئون الدفاع والأمن الدكتور رشاد العليمي، في كلمته أمام مجلس النواب في يونيو 2008م.

والحوثيين يتمركزون في المناطق المحيطة بمدينة صعدة المتاخمة لحدود المملكة، وهي منطقة جبلية وعرة جداً وفقيرة، ينتمي معظم سكانها إلى الطائفة الزيدية، ويشار إلى أن السنة يشكلون معظم سكان اليمن البالغ عددهم 19 مليون نسمة، في حين يمثل الشيعة نحو 15%.

وتقع محافظة صعدة في الجزء الشمالي من الجمهورية اليمنية، وتبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 243 كيلومترًا، وتتصل المحافظة بمحافظة حجة وجزء من محافظة عمران من الجنوب، ومحافظة الجوف من الشرق، والمملكة من الشمال والغرب. وسميت صعدة لأن ملكاً من ملوك حمير بُني له فيها بناء عالٍ فلما رآه الملك فقال: صعَّدَهُ، فسميت "صعدة". وتبلغ مساحة صعدة 29000 كيلو متر مربع، وتمتاز بمناخ معتدل صيفاً وبارد شتاءً، وتضاريسها متنوعة ما بين قاع زراعي ومرتفعات جبلية وعرة. وصل عدد سكان صعدة بحسب تعداد عام 2004م إلى 700.000 نسمة تقريباً.

كان الزيدية في القرن السابع وما قبله يدرسون الأمهات الست وغيرها من المسانيد والصحاح على أيدي أئمة السنة.

والتشيع في اليمن مر بمراحل، وتعتبر الجارودية حلقة الوصل بين الرافضة والزيدية، وهي بوابة الرفض التي ولج منها الإيرانيون ودعاة التشيع باسم المذهب الزيدي فأفسدوا عقائد الزيدية في اليمن. ولا يوجد في صعدة زيدية أصيلة وإنما هم جارودية لا يختلفون عن الرافضة كثيراً. ومع مرور الزمن استطاع الرافضة أن يسربوا الكثير من عقائدهم عبر بوابتهم إلى الفرقة الجارودية من المذهب الزيدي، فأصبح الرافضة يعملون باسم المذهب الزيدي بتخطيط رافضي وتنفيذ جارودي. وهكذا بقيت الصورة العامة عند أتباعهم ومحبي المذهب الزيدي أن هذه العقائد والأفكار من صميم مذهب الزيدية وهي في الحقيقة أفكار  وعقائد الجارودية الممزوجة بأفكار الاثنى عشرية، وهذا نلاحظه من عدم فك الارتباط بين الدعوة إلى المذهب الزيدي والأفكار الاثنى عشرية.

ظل اليمن في كنف الدولة الإسلامية المركزية منذ أن اعتنق اليمنيون الإسلام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمر كذلك حتى بدايات القرن الثالث الهجري حين بدأت ملامح الضعف والشيخوخة تظهر على الدولة العباسية، حينها انسلخ اليمن عن بغداد وتأسست الدولة اليعفرية على يد الأمير يعفر، الذي خلفه ابنه محمد بن يعفر وهو أول من وحد اليمن وحكمها مدة عشرين عاماً وقتل في عام 270هـ، انقسمت بعدها اليمن وتفرقت في عهد ابنه إبراهيم بن محمد والذي قتل في عام 279هـ، وأصبحت اليمن بعدها بلا راع. وفي ظل تلك الفوضى والشتات استجلبت الإمامة من الحجاز فحلّ الإمام يحي بن الحسين على صعدة وقبائلها عام 284هـ ولقب نفسه بالهادي وبدأ يدعو للإمامة والتشيع.

وفي القرن العاشر الهجري تقاسم حكم اليمن العثمانيون والزيديون، فقد حكم العثمانيون من سنة 945هـ إلى سنة 1333هـ، أي 388 سنة، وكانت مناطق سيطرتهم في الجنوب. أما بنو الرسي الزيديون فقد سيطروا على صعدة كعادتهم إضافةً إلى صنعاء، ولذلك تعرف هذه الدولة في هذه الفترة بدولة أئمة صنعاء، وقد استمرت من سنة 973هـ إلى سنة 1382هـ، أي 409 سنة، وقد صارت لها السيطرة الكاملة على كل اليمن بعد صراعٍ مع الخلافة العثمانية، انتهى في سنة 1333هـ لصالح الزيديين.

وقد ظلت هذه الدولة الزيدية تحكم اليمن حتى سنة 1382هـ/ 1962م، عندما قامت الثورة اليمنية، لتنهي بذلك حكم الزيديين لليمن الذي بدأ للمرة الأولى منذ عام 284هـ، أي ما يزيد على ألف عام.

وظلت مدينة صعدة مركزاً للدولة الزيدية التي استطاعت مقاومة وحسم كل العواصف والصراعات الداخلية والخارجية، وهي الدولة الوحيدة على الساحة اليمنية التي استمرت متواصلة الخطى تاريخياً طوال هذه الفترة. فهذه أحد أسباب قيام هذه الحركة وهو إعادة حكم أئمة الزيدية لليمن.

الشيعة الزيدية كما ذكرت كان لهم نصيب في الحكم فترة طويلة جدًّا من الزمن في قيادة اليمن حتى عام 1382هـ/1962م عندما قامت الثورة اليمنية.

إن نقاط التّماس بين الشيعة الزيدية والسُّنَّة أكبر من نقاط التماس بين الشيعة الزيدية والاثنى عشرية الإمامية، بل إن الاثنى عشرية الإمامية لا يعترفون أصلاً بإمامة زيد بن علي مؤسِّس المذهب الزيدي، وعلى الناحية الأخرى فإن الزيديين لا يقرون الاثني عشرية على انحرافاتهم العقائديَّة الهائلة، ولا يوافقونهم على تحديد أسماء اثني عشر إمامًا بعينهم، ولا يوافقونهم في ادّعاء عصمة الأئمة الشيعة، ولا في عقيدة التقيَّة، ولا الرجعة، ولا البداءة، ولا سبّ الصحابة، ولا غير ذلك من البدع المنكرة.

الشيعة الاثنى عشرية يمارسون أنشطتهم وبشكل مكثف في اليمن تحت مسمى العمل للزيدية، ويخدعون الناس برفعهم لشعار حب أهل البيت، فحصل الالتباس على عوام الزيدية وما شعروا إلا وهم في بؤرة الرفض. ولم يكن هناك وجود للاثنى عشرية في تاريخ اليمن كله، إلا أن هذا الأمر تغيَّر في السنوات الأخيرة، وكان لهذا التغيُّر علاقة كبيرة بقصة الحوثيين، فما هي هذه القصة؟.

قصة الحوثيين:

تعود جذور حركة الحوثي إلي الثمانينات من القرن الماضي، وبدأ أول تحرك مثمر ومدروس في عام 1982م علي يد العلامة صلاح أحمد فليتة، والذي أنشأ في عام 1986م "إتحاد الشباب" وهي هيئة تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه، وكان من ضمن ما يتم تدريسه مادة عن الثورة الإيرانية ومبادئها، يقوم بتدريسها محمد بدر الدين الحوثي. وكان بدر الدين الحوثي وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة.

وفي عام 1988م تجدد النشاط بواسطة بعض الرموز التي نزحت إلى المملكة عقب ثورة 1962م وعادوا بعد ذلك وكان من أبرزهم العلامة مجد الدين المؤيدي، والعلامة بدر الدين الحوثي. وبدر الدين هو الزعيم المؤسس للحركة الحوثية والأب الروحي لها، وليس ابنه حسين أو غيره سوي قيادات تنفيذية، وبدر الدين هو المرشد والمفتي والزعيم. ومع قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م تحولت هذه الأنشطة إلى مشروع سياسي مع المناخ السياسي الجديد الذي أقر التعددية وقد أعلن ما يزيد عن 60 حزباً في اليمن تمثل جميع التوجهات القومية واليسارية والإسلامية والليبرالية، فيما تمثلت الأحزاب الشيعية في أربعة أحزاب: حزب الثورة الإسلامية، وحزب الله، وحزب الحق، واتحاد القوي الشعبية اليمنية. وقد توارى الحزبان الأولان (حزب الثورة، وحزب الله)، فيما بقي في الساحة حزب الحق واتحاد القوي الشعبية. وكان أكبر مهرجان لحزب الحق في منطقة "الحمزات" تحت مسمى مخيم الفتح واستمر لمدة أسبوع.

وفي عام 1992م تشكلت نواة "منتدى الشباب المؤمن" على يد محمد سالم عزان ومحمد بدر الدين الحوثي وآخرين. لكن انشقاقاً في صفوف هذا المنتدى أو بالأصح انقلاب أبيض، أدي إلى وصول حسين بدر الدين الحوثي لقيادة المنتدى ومعه عبد الله عيضة الرزامي وعبد الرحيم الحمران بالإضافة إلى محمد بدر الدين الحوثي. وظهر حسين بدر الدين الحوثي وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة 1993م، وكذلك في سنة 1997م.

كيف تأسس تنظيم الشباب المؤمن؟:

في عام 1990م تم تأسيس منتدى الشباب المؤمن وكان يدار من قبل محمد بن بدر الدين الحوثي، وفي عام 92م بدأ نشاط المنتدى يبرز من خلال الدورات الصيفية التي أقيمت، وأول مركز صيفي تم إقامته كان في مدينة "ضحيان" واستمر هذا المركز يؤدي نشاطه الديني خلال الأعوام 92-93-94م، وفي عام 95م تم نقل المركز إلى "الحمزات"، وفي عام 96م انتقل إلى "بني معاذ" التابعة لمدينة "سحار"، وفي عام 97م انتقل نشاط المركز إلى المعهد العلمي بمدينة صعدة. وخلال عام 95م وأثناء نشاط المركز في الحمزات لاحظ مجد الدين المؤيدي خللاً في المناهج التي تقدم للطلاب، فشكل لجنة لمراجعة المناهج، فرفض أعضاء منتدى الشباب المؤمن اللجنة، فأصدر المؤيدي بياناً يحذر فيها أتباع المذهب الزيدي من مؤلفات وأفكار المنتدى، بدأ بعدها الخلاف يظهر بين كبار علماء الزيدية فحصل بسببها الانشقاق.

وبعدها تحول الحزب عن أفكاره ونشاطاته الثقافية والدعوية في عام 1997م إلى المدلول السياسي وصار اسمه "تنظيم الشباب المؤمن" وتفرغ له حسين بدر الدين عازفاً عن الترشح في مجلس النواب، تاركاً المقعد الذي كان يشغله لأخيه يحيي بدر الدين الحوثي. فيما برز والده بدر الدين الحوثي كمرجعية عليا للتنظيم، مما أدي إلى تهميش دور كل من المؤيدي وفليتة وتم إقصائهما. ويحي الحوثي هذا يعتبر من الشخصيات البارزة في الحركة، وهو شقيق حسين الحوثي، ويعيش حالياً خارج اليمن ويقيم في العاصمة الألمانية برلين منذ أواخر 2004م بعد أن طلب حق اللجوء السياسي، ويعد المسئول السياسي لجماعة الحوثيين.

نشب بين التيارين في داخل منتدي الشباب المؤمن والتيار الجديد الذي يتزعمه الحوثي عدد من الخصومات وتبرأ كل طرف من الآخر، فقد اتهمت جماعة المؤيدي تنظيم الشباب المؤمن بالانقلاب على مبادئ الزيدية، فيما كان الآخرون يتهمون جماعة المؤيدي بالتحجر والجمود وبالميل إلى الافكار الشوكانية، نسبة للإمام محمد بن علي الشوكاني. جاءت نشاطات الشباب المؤمن في الفترة التي خاضت فيها الحكومة حرباً ضد الجبهة الوطنية الديمقراطية المدعومة آنذاك من النظام في عدن مطلع الثمانينات. وكانت تشن على النظام حرب المناطق الوسطى من اليمن، وكان من بين أجندتها الثقافية تشجيع قبائل الشمال على إحياء الزيدية بوصفها مذهباً ثورياً يجيز مبدأ الخروج على الحاكم وذلك بغرض توليف عوامل التوتر على نظام صنعاء، ووجد مثل هذا التشجيع شيئاً من الحضور على مستوى بعض النخب المثقفة.

وحسين الحوثي لم يكن يسعي إلى تأكيد صورته كزعيم لتنظيم مستقل إلا بعد أن انشق عن "حزب الحق الاسلامي" الذي أسسه الشيخ أحمد الشامي، وأطلق الحوثي اسم تنظيم "الشباب المؤمن" على الحزب. وكان حسين الحوثي عضواً في البرلمان اليمني في الفترة ما بين 1993م إلى عام 1997م، بعدها أخذ في بناء قاعدة لتأييده خاصة في مديرية حيدان دون ترخيص قانوني أطلق عليها اسم الحوزة.

من هو حسين الحوثي؟:

ولد حسين الحوثي عام 1956م في قرية آل الصيفي بمنطقة حيدان التابعة لمحافظة صعدة قبل نحو ست سنوات من اندلاع الثورة اليمنية التي قضت على الحكم الإمامي الذي استمر لأكثر من أحد عشر قرناً امتدادا للدولة الزيدية التي تأسست في جبال صعدة.

نشأ زيدي المذهب في كنف والده أحد المراجع الدينية في المذهب الزيدي، والتحق حسين بدر الدين الحوثي بمدارس التعليم السنية في محافظة صعدة ودرس في المعاهد الدينية التي كانت حركة الإخوان المسلمين تديرها قبل أن تتحول إلى حزب سياسي عام 1990م هو "التجمع اليمني للإصلاح".

تلقى التدريس الابتدائي والثانوي في المعهد العلمي في محافظة صعدة الذي كان يدرس العلوم الشرعية والفقه الإسلامي، كما تلقي العلم على يد والده وعلماء المذهب الزيدي والتحق الحوثي بكلية الشريعة في جامعة صنعاء وحصل منها على شهادة البكالوريوس في الشريعة والقانون. بعدها سافر إلى السودان ليعود من الخرطوم حاصلاً على ماجستير في علوم القرآن ولكنه في عام 2000م مزق شهادة الماجستير لقناعته بأن الشهادات الدراسية هي تعطيلللعقول. ويشهد له زملاؤه وأساتذته وأصدقاؤه بالذكاء والتفوق العلمي والتوسع فيالدراسات الإسلامية والمذهبية، ويأخذون عليه تشدده لآرائه وأفكاره وتعصبهالمذهبي.

وفي 1992م قرر الانخراط في العمل السياسي كمؤسس لحزب الحق المعارض الذي جري تأسيسه من قبل علماء ومثقفين ورجال قبائل ينتمون للمذهب الزيدي. وقد ساند الحزب الاشتراكي اليمني (الشريك في الحكم آنذاك) تأسيس حزب الحق في إطار حساباته السياسية وحرصه على إيجاد قوي سياسية باتجاه ديني لمواجهة التجمع اليمني للإصلاح ذي الاتجاه الإسلامي المعارض. وتراجع عن ترشيح نفسه في انتخابات عام 1997م لينصرف إلى الدعوة وإلى تأسيس منتدي الشباب المؤمن الذي استقطب العديد من المثقفين من المذهب الزيدي.

وبعد تأسيس تنظيم الشباب المؤمن تفرغ لإلقاء الدروس والمحاضرات بين مؤيديه وأنصاره، وكان يلقي هذه الدروس في البيوت أو في أماكن أخرى يتم استدعاؤه إليها، ويتم تسجيلها ثم تفريغها في ملازم ومطبوعات.

اعتمد في محاضراته على توصيل أفكار محددة يمكن حصرها بالتتبع أنها أقرب إلى الفكر التعبوي التحريضي منه إلى التزكية وإصلاح النفوس والعبادات والعلاقات الاجتماعية، وإن ورد شيء من ذلك فإنه يجعله مدخل لتعزيز الفكر التعبوي.

كان يتمتع بأسلوب جذاب في الطرح وبطريقة لم يعهدها شباب المذهب الزيدي من مشايخه الكبار ولذلك فقد سحر أتباعه واعتبروه هدية تنـزلت من السماء. وخلال سنوات تمكن من إقامة العشرات من المراكز التعليمية في كثير من المناطق والتي شهدت التحاق الألوف من الشباب معه. وقد أسعفه الحظ بجمهور يسمع ولا يناقش، ويطيع ولا يعترض، ومن المستوى الأقل ثقافة، تركوا له أن يفكر بعقولهم، وينطق بألسنتهم، أما هم فقد أجادوا فن الاصغاء، لأنهم نظروا إليه أنه كإمام معصوم لا ينطق عن الهوى، مؤيد بالعناية الالهية لأنه من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد رفض حسين الحوثي الحوار مع الحكومة، كما رفض مبادرات الوسطاء للعدول عن تشدده المذهبي قبل اندلاع المواجهات في صعدة.

كان حسين الحوثي يدرك أنه قادم على عمل تصادمي، فكان يوجه أتباعه للتدريب القتالي، ويبني التحصينات الدفاعية، ويحفر الخنادق ويشيد التحصينات في الجبال الوعرة التي تتميز بها صعدة تحسباً للحظة المواجهة، ولم يكن لين الجانب الحكومي معه ليثنيه عما هو مقدم عليه.

تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدّاً بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية في اليمن حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية اليمنيون، وعلى رأسهم المرجع "مجد الدين المؤيدي"، والتي تقضي بأن شرط النسب الهاشميّ للإمامة صار غير مقبولاً اليوم، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن الشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن أو الحسين رضي الله عنهما. اعترض بدر الدين الحوثي على هذه الفتوى بشدَّة، خاصة أنه من فرقة "الجارودية"، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيّاً مع الاثنى عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع بصراحة عن المذهب الاثني عشري، بل إنه أصدر كتابًا بعنوان "الزيدية في اليمن"، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والاثنى عشرية. ونظرًا للمقاومة الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية، فإنّه اضطر إلى الهجرة إلى طهران حيث عاش هناك عدة سنوات. وعلى الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية إلا أن أفكاره الاثني عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة، وهذا منذ نهاية التسعينيات، وتحديدًا منذ سنة 1997م، وفي نفس الوقت انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن "حزب الحق"، وكوَّن جماعة خاصة به كما ذكرنا، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية، بل إنها كانت تتعاون مع الحكومة لمقاومة المد الإسلامي السُّنِّي المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولكن الجماعة ما لبثت أن أخذت اتجاهًا معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة 2002م.

اشتهرت جماعة حسين بدر الدين الحوثي في اليمن شعبياً بجماعة الحوثي، بيد أنها لدى الأوساط السياسية والفكرية والدوائر الأمنية تعرف بجماعة الشباب المؤمن، حيث ظهرت في اليمن تحت هذا المسمى وواضح أن للعنوان ارتباطا بأيديولوجيا دينية ذات بُعد تأريخي تليد، وامتداد جغرافي معاصر يسعى لتصدير فكرته، كما هو شأن أية أيديولوجيا، مع فارق بارز يكمن في أن خلف هذه الأيديولوجيا إمكانات دولة قامت من أساسها عليها.

وقد بلغ حسين الحوثي من المكانة في قلوب أتباعه شيئاً عجباً لما كان يسحرهم بفعله لا بقوله. لقد ضرب نموذجاً نادراً في خدمة الناس وحل مشاكلهم في أسرع وقت وبأسهل الحلول. أنشأ جمعية خيرية لدعم من لا يمتلكون رأس مال كافياً لإقامة مشاريع تجارية يقيمون بها أودهم. نظّم أمور الناس بشكل جميل وسلسل. كان يبتاع من سوق المنطقة ما فاض من السلع المعرضة للتلف كاللحم والطماطم وبسعر ربما أكثر من سعرها الأصلي. خدم المنطقة بشكل كبير في مجال المياه والخدمات الأساسية. كان يفي بأي وعد يقطعه على نفسه لأبناء المنطقة فيما يتعلق بالخدمات والمشاريع الأمر الذي أكسبه مصداقية عالية عند الأهالي وأكسبه احتراماً عميقاً في نفوسهم إلى الحد الذي جعلهم لا يصدقون أنه مات يوم قتل، إذ لا تعدم أن تجد من يقول: "لم يقتل سيدي حسين وإنما عرج به إلى السماء".

عندما قبض على الحوثيعلى خلفية تأييده لقيام ثورة الخميني في عام 1994م، وعلى إثر فشل الانقلابية علىالوحدة اليمنية، اضطر بدر الدين الحوثي وابنه حسين إلى الهرب بعد انكشاف دورهماالمؤيد للانفصاليين الاشتراكيين وتوجها إلى إيران حيث بقيا أشهر في مدينة (قم) قبلأن يغادرا باتجاه لبنان ويتخذا من الضاحية الجنوبية مقراً لهما وبقيا هناك حتىعودتهما إلى اليمن وانخراطهما مرة أخرى في العمل السياسي كنواب في البرلمان، ولاشكأن هذه المرحلة كانت الأهم والأخطر في الحياة السياسية لحركة التمردالحوثي.

توسَّط عدد من علماء اليمن عند الرئيس علي عبد الله صالح لإعادة بدر الدين الحوثي إلى اليمن، فوافق الرئيس، وعاد بدر الدين الحوثي إلى اليمن ليمارس من جديد تدريس أفكاره لطلبته ومريديه. ومن الواضح أن الحكومة اليمنية لم تكن تعطي هذه الجماعة شأنًا ولا قيمة، ولا تعتقد أن هناك مشاكل ذات بالٍ يمكن أن تأتي من ورائها مظاهرات ضخمة للحوثيين وبداية الحرب. ولم يكن أحد يعترض على نشاطهم الديني الذي من خلاله تمكنوا من استقطاب آلاف الشباب إلى تنظيمهم "تنظيم الشباب المؤمن". وقد ساهمت الدولة بجهد كبير في إنعاش هذا التنظيم وإخراجه إلى حيز الواقع، وبالتالي لم تكن هناك مشكلة أمامهم في ممارسة نشاطهم الديني والثقافي ولا حتى السياسي لو أرادوا ذلك، ولولا الحرية الواسعة والدعم غير المحدود، الذي قدمته سلطات صنعاء لجماعة الشباب المؤمن في صعدة، لما كان للحوثيين كل هذا الصيت، وكل هذه الصولة والجولة.

تم فتح حسينية في صنعاء باسم حسينية الثقلين في حي "البليلي" فأرسلت السفارة العراقية أربع تحذيرات للحكومة اليمنية من هذه الحسينية وأنها نواة لتنظيم سياسي مناهض، لم تحمل الحكومة اليمنية الأمر محمل الجد. بعدها تم افتتاح عدد من المكتبات والتسجيلات ومؤسسات نشر تحمل أسماء شيعية مثل: الغدير، خم،كربلاء، النجف، وغيرها. تطور الأمر بعدها فأصبحت ترى لافتات وأقمشة تعلق تحمل عبارت دينية شيعية في بعض مناسباتهم. تطور الأمر أن هذه الحسينية صارت تضع عدداً من الكشكات في أماكن رئيسية في العاصمة تروج كتيبات ومطويات وأشرطة فاخرة وبأسعار زهيدة، كما قامن بإنزال كميات كبيرة من الشعارات المطبوعة على ملصقات فاخرة إلى الشوارع وتوزيعها، الأمر الذي يدلل على وجود دعم قوي لهذه الحسينية والتي تلتها حسينيات.

وكان للمدرسين العراقيين دور في إدخال الأفكار الشيعية الغالية إلى اليمن وكان حسين الحوثي يلتقي معهم في حوزات سرية تقام فيها الطقوس الاثنى عشرية ثم تطور فيما بعد وأصبح فكراً وتنظيماً.

المرحلة ما بين 1999م – 2004م:

بين عامي 1999م – 2004م بدأ نشاط "تنظيم الشباب المؤمن" يأخذ طابعاً عسكريا إلى جانب تكثيف الدور الثقافي عبر المخيمات الصيفية. وخلال هذه الفترة توسع نشاط التنظيم في أرجاء محافظة صعدة، ثم افتتحت العديد من الفروع في محافظات الجمهورية، ففي صعدة وحدها 24 مركزاً، عمران 6 مراكز، المحويت 5 مراكز، حجة 12 مركزاً، الأمانة 5 مراكز، ذمار 7 مراكز، إب مركز واحد، وكذلك تعز، بينما في محافظة صنعاء 4 مراكز، إلى ذلك تم إنشاء الجمعيات الخيرية والتعاونية التي تصب مواردها في دعم التنظيم وأنشطته، مضافاً إلى ذلك الموارد المالية من أطراف في الخارج.

وفي الفترة ذاتها حدثت أوسع عملية تغلغل في المرافق الحكومية وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية، مع تركيز مواز على المرافق التعليمية في محافظات صعدة، عمران، حجة، الجوف، وخصوصاً أثناء حركة الدمج بين المدارس الحكومية والمعاهد العلمية التي كان يشرف عليها حزب الاصلاح.

أهم سمات هذه المرحلة:

1- التهيئة النفسية: وذلك من خلال التعبئة المستمرة بحتمية المعركة وبعمالة النظام وعدم شرعيته، وإبراز النموذج الخميني كنموذج للعز والخلاص، وفي هذا الإطار كان لحسين الحوثي لوحده أكثر من 43 ملزمة ما بين كتيب ومحاضرة يصب في هذا الموضوع، وصار يتخذ لنفسه حرساً خاصاً بحجة أنه مستهدف من قبل أمريكا وإسرائيل، وصار يرفع أعلام حزب الله، والنقد الصريح والحاد للمذهب الزيدي والتهجم على رموزه، وبدأ تدريس المذهب الجعفري والترويج له ولأفكاره. وهناك من أرّخ هذا العام 1997م بأنه عام الانتقال الفعلي من الهادوية الجارودية إلى الجعفرية الاثنى عشرية.

2- التهيئة القتالية: وتمثلت في إبراز مظاهر القوة في احتفالات عاشوراء والغدير، والدعوة إلى شراء الأسلحة، حيث كان السلاح شرطاً في قبول العضو في التنظيم، وإقامة المناورات القتالية والتدريب على الرماية، وتكثيف الحراسات وبناء التحصينات والكهوف والأسوار، وشراء البزات العسكرية وصولاً إلى تقسيم صعدة إلى مناطق عسكرية توزع فيها الميليشيات.

وحسب بعض الوثائق التي تم العثور عليها مع أنصار الحوثي فإن صعدة قسمت بحسب الخطة الحوثية إلى ثلاث مناطق قتال: الرزامات، آل شافعة، آل النمري. فيما كانت أهم مناطق التمركز هي: جبل القوازي، شعب الوشل، الحصن، جبل حضيفة، ذات السبيل، جبل أيوب، جبل القدم، جبل أم عيسى. واحتوت هذه النقاط على 14 موقعاً. في كل موقع يتمترس ما بين 4 - 5 أشخاص. وتذكر الوثائق أن "يوسف أحمد المداني" كان مسؤول التسليح.

من الناحية الاعلامية بدأ التصعيد بإرسال مجموعات إلى العاصمة بغرض ترديد الصرخة في الجامع الكبير، والتأكيد للشباب الذين يذهبون لهذا الغرض بأنه سيتم اعتقالهم والتشديد عليهم بعدم كتابة تعهدات للدولة حال الافراج عنهم. وكان أول ظهور لما عرف بالصرخة في يوم 17 يناير 2002م عقب محاضرة ألقاها حسين بدر الدين الحوثي في مدرسة الهادي بمنطقة مران، بعنوان "الصرخة في وجه المستكبرين". تطرق خلالها إلى الطغيان الأمريكي والهوان الذي تعاني منه الشعوب العربية والإسلامية. وهاجم فيه تواطؤ الحكام وأشاد بموقف إيران وحزب الله، مستعرضاً الآيات القرآنية الداعية إلى الجهاد، ومفضياً إلى ضرورة مواجهة الجبروت الأمريكي الاسرائيلي بترديد شعار الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لاسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام، وموجهاً الأتباع إلى ضرورة ترديده في المساجد، مشدداً على ضرورة ألاّ تتجاوز ردة فعلهم الجهادية ضد أمريكا مسألة ترديد الشعار. وأدى هذا لحملة اعتقالات وصل عددها حسب ما تقول صحيفة الحزب الأمة إلى 600 معتقل.

اعتمدت أساليب حسين الحوثي في تعبئة أتباعه ومعظمهم من الشباب والفتيان المتحمسين على الآيات القرآنية الصريحة في جهاد الكافرين وقتالهم، بعد أن قام بالحيلولة بينهم وبين الضوابط العلمية لفهم هذه الآيات، وذلك عن طريق سخريته الماهرة من موروث السنة وأصول الفقه وعلوم القرآن من ناسخ ومنسوخ، ومتشابه ومحكم، وأسباب النـزول، متذرعاً بأن القرآن واضح أنزله الله بلسان عربي مبين ليفهمه الخاص والعام، وبالتالي فالمطلوب فقط معرفة اللغة العربية، أما السنة وعلوم القرآن فكلها من وضع أهل السنة المعروفين بخوفهم من المواجهة وبمداهنتهم لأمزجة السلطان على مدى التاريخ.

وزاد الحوثي الأب في حواره الشهير مع صحيفة الوسط أن قال: إن سبب المواجهات هو أن الرئيس يخاف من أن يأخذ عليه حسين الولاية العامة.

زاد ترديد الشعارات، وحصلت بعض المصادمات مع أفراد من أمن الدولة، بعدها تم استدعاء حسين الحوثي لاستفساره عن أسباب هذه الصدامات ولسماع أقواله عدة مرات لكنه في كل مرة كان يرفض الحضور، قام بعدها محافظ صعدة شخصياً باستدعاءه ورفض الحضور، حتى وصل الأمر إلى رئيس الجمهورية وطُلب منه مقابلة الرئيس وله الرأي والأمان، فرد على أنه سيفد إلى صنعاء بطريقته الخاصة لأنه مستهدف من أمريكا، قبل الرئيس منه ذلك ومرت أسابيع ولم يأتي، فصدر الأمر بإلقاء القبض القهري عليه ولم تتمكن الدولة من ذلك لأنه بمجرد محاولة البحث عنه والتفتيش بدأت المواجهات.

وفي عام 2004م حدث تطوُّر خطير، حيث خرج الحوثيون بقيادة حسين بدر الدين الحوثي بمظاهرات ضخمة في شوارع اليمن مناهضة للاحتلال الأمريكي للعراق، وواجهت الحكومة هذه المظاهرات بشدَّة، وذكرت أن الحوثي يدَّعِي الإمامة والمهديّة بل ويدَّعِي النبوَّة. وأعقب ذلك قيام الحكومة اليمنية بشنّ حرب مفتوحة على جماعة الحوثيين الشيعية، واستخدمت فيها أكثر من 30 ألف جندي يمني، واستخدمت أيضًا الطائرات والمدفعية، وأسفرت المواجهة عن مقتل زعيم التنظيم حسين بدر الدين الحوثي واعتقال المئات ومصادرة عدد كبير من أسلحة الحوثيين.

كيف قتل حسين الحوثي؟

بدأت الدولة تفكر في حل سلمي لحدوث أقل الخسائر، فتم رصد 55 ألف دولار لمن يساعد في القبض على حسين الحوثي ولا فائدة، بعدها أصدر الرئيس أمراً بإيقاف العمليات العسكرية لإتاحة الفرصة لحسين أن يسلم نفسه ولا فائدة، بعدها تم تشكيل لجنة من عشرة أعضاء لمقابلة حسين للتفاوض معه وإقناعه بتسليم نفسه ولا فائدة، بعدها تم توسيع اللجنة إلى 40 شخصية دينية وسياسية من جميع الأحزاب وعدد من المشايخ ولا فائدة، رفض حسين الحوثي مقابلة اللجنة إلا بشروط وضعها على الدولة منها: سحب الدولة قواتها من المنطقة، والمطالبة بتعويضات، واستمرار السماح له بالتدريس، وتمسكه برفع شعاراته. وفي نفس الوقت كان أتباعه يوقعون الخسائر في صفوف الجيش اليميني مع التزام الجيش بالتوقف بتوجيهات الرئيس، فكان لا بد من الحل العسكري.

دخل الجيش قرية الحوثي "الجميمة" واستولى الجيش على الجبل تلو الجبل، بعدها حصلت المواجهات بينه وأتباعه من جهة والحكومة من جهة أخرى تحصن حسين الحوثي ومعه مجموعة في أحد الكهوف، وكانت هناك بركة ماء فوق هذا الكهف، وكانت هناك شبكة مياه تؤدي من البركة إلى الكهف. وبسبب القصف والضرب الشديد على الجبل انقطعت الشبكة، وبقي من في الكهف ثلاثة أيام من غير ماء، وكذلك نفد الطعام الذي كان معهم. والجيش اليمني محيط بالجبل، فخرجت امرأتان مع إحداهما طفل رضيع، وهما زوجتا حسين الحوثي، وبعدها خرج تسعة كلهم بين مقطوع اليد أو الرجل أو جريح، وكان حسين جريحاً في فخذه، فطُلب منه أن يسلم نفسه، فقال: أنا لا أسلم نفسي إلا لرئيس الجمهورية، وبعد حوار بسيط أخرج حسين مسدساً كان معه فلم يمهله أحد الضباط إلى برصاصة في جبهته أصابته بمقتل. وكان مقتله في 10 سبتمبر 2004م.

تأزَّم الموقف بعدها تمامًا، وتولى قيادة الحوثيين بعد مقتل حسين الحوثي أخوه عبدالملك الحوثي، ووضح أن الجماعة الشيعية سلحت نفسها سرًّا قبل ذلك بشكل جيد حيث تمكنت من مواجهة الجيش اليمني على مدار عدة سنوات.

يعتبر عبدالملك الحوثي هو القائد الثاني للحوثيين. ولد في صعدة عام 1979م، ويبلغ حاليًا الثلاثين من عمره، تلقى تعليمه في المدارس الدينية الزيدية، وبعد وفاة أخيه حسين الحوثي تزعم التيار الحوثي متجاوزًا شخصيات بارزة أخرى في التيار من بينها عدد من أشقائه الذين يكبرونه سنًا، وأصبح القائد الفعلي لحركة التمرد، وهو خطيب مفوه لديه القدرة على حشد المناصرين والأتباع، أسس عام 2007م موقع المنبر الإلكتروني لنقل وجهة نظر حركته للعالم.

اندلعت مواجهات أخرى في 12/7/2005م واتسمت المواجهات الثانية بتغير ميدان المعركة واتساعه، مع حدوث بعض المناوشات والهجوم المباغت من قبل أتباع الحوثي على أهداف حكومية في مدينة صعدة، إلى جانب محاولات أخرى حدثت في بعض المناطق من محافظة الجوف المجاورة لصعدة من جهة الشرق. واتخذت المواجهات في هذا الطور طابعها السياسي الشيعي بصدور بياني مناصرة من قبل الحوزات الاثنى عشرية في كل من النجف وقم. وقد غطت القنوات الفضائية المحسوبة على الطائفة الاثنى عشرية في إيران والعراق مثل: الفرات، الأنوار، سحر، المنار، العالم، أخبار الحرب. وأرسل الحوثي الأب رسالة إلى آية الله السيستاني يناشده أن يعمل على إيقاف ما أسماه "الانتهاكات وسياسات التمييز العنصري ضد الطائفة الشيعية"ن تلقى السيستاني الرسالة وأصدر بياناً باسم الحوزة العلمية في النجف أرسل نسخة منها إلى محافل حقوق الانسان.

وأرسل رسالة أخرى لجواد الشهرستاني يقول فيها: "لدينا معرفة كاملة بما يدور في دهاليز النظام الحاكم، نظراً لوجود عناصر أمنية مسئولة في السلطة قريبة من أعضاء الحركة، ونحن نعرف خصومنا من كبار المسئولين، وهم لا يعرفون أن لدينا خمسة من الوزر