logo www.alahmad.com

 كرامات الأولياء

د. ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن العقيدة التى أمرنا الله بها، هى التى جاءت فى كتابه، والعقيدة التى جاء بها رسولنا صلى الله عليه وسلم والتى أمرنا بإتباعه وإلا هلكنا هى التى نطقت بها أحاديثه الصحيحه الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، سواء كانت متواترة أو آحاد، فنحن أهل السنة والجماعه نأخذ بها كلها، خلافاً لبعض المبتدعه الذين لا يأخذون مسائل الإعتقاد من أحاديث الآحاد.

ومن جمله ما أمرنا بإعتباره وأخذه، مسألة  الكرامات التى هى محل بحثنا هذا.  كرامات الصالحين وأولياء الله عز وجل.  وقد عد علماء السلف هذه المسألة، من جمله ما يعتقده أهل السنة والجماعه، قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى في العقيدة الواسطية: "ومن أصول أهل السنه التصديق بكرامات الأولياء وما يجرى الله على ايديهم من خوارق العادات" [1].

وقال الإمام الطحاوى رحمه الله تعالى فى عقيدته المشهورة بالطحاوية: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم" [2].

وقال السفارينى رحمه الله تعالى فى منظومته :

وكل خارق أتى عند صالح
فإنها من الكرامات التى
ومن نفاها من ذوى الضلال
فإنها شهيرة ولم تزل

من تابع لشرعنا وناصح
بها نقول فاقف للأدلة
فقد اتى فى ذاك بالمحال
فى كل عصر ياشقاً أهل الزلل [3]

إلى غير ذلك من أقوال السلف فى هذا الباب، وقد خصص الإمام اللالكائى فى كتابه شرح اصول اعتقاد أهل السنة والجماعه جزءاً خاصاً بكرامات الأولياء نقل فيها من الأحاديث والآثار أمر عجب، وقبله وبعده فمن كتب فى عقيدة السلف أو فى الرد على من خالفهم.

فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الكرامات والخوارق قد تحصل بامر الله جل وتعالى لبعض أولياءه ولبعض عباده الصالحين لحكم جليله سنبينها بالتفصيل إن شاء الله تعالى فى هذا البحث المتواضع.

وبعد هذا الإجمال فقد آن الشروع فى التفصيل.

كرامات الأولياء :

وقبل الشروع فى ذكر تفاصيل هذه المسأله، كان لزاماً أن نبدأ بتعريف كل من الكرامة ثم الولاية لتتضح الصورة تماماً.

أولاً:  الكرامة:

قال ابن منظور:  الكريم من صفات الله وأسمائه وهو الكثير الخير الجواد المعطى الذى لا ينفذ عطاؤه [4].

أما الكرامه فتعريفه أنه:  أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم المتابعة لنبى كلف بشريعته مصحوباً بصحة الإعتقاد والعمل الصالح علم بها أو لم يعلم ولا تدل على غيره لجواز سلبها وأن تكون استدراجاً. [5].

وقال السفارينى " الكرامة وهى أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح علم بها ذلك العبد الصالح أم لم يعلم "[6].

ثانياً:  الولاية :

إنه لا تعريف للأولياء أحسن من قول الله تعالى:  ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة " " فالولاية مرتبة فى الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهراً وباطناً " فالولاية لها جانبان:

- جانب يتعلق بالعبد: وهو القيام بالأوامر واجتناب النواهى ثم التدرج فى مراقى العبودية بالنوافل.

-  وجانب يتعلق بالرب سبحانه وتعالى: وهو محبة هذا العبد ونصرته وتثبيته على الاستقامة.

فالولى هو ذلك العبد الذى آمن بالله عز وجل: أى صدق به وبما جاء عنه سبحانه فى كتابه الكريم وعلى لسانه رسوله صلى الله عليه وسلم والتزم بشرعه ظاهراً وباطناً ثم داوم على ذلك بمراقبة الله سبحانه وملازمة التقوى والحذر من الوقوع فيما يسخطه عليه من تقصير فى واجب أو ارتكاب لمحرم هذا العبد هو ولى الله سبحانه وتعالى يحبه وينصره ويبشره برضوانه وجنته. وعند فراقه للدنيا يرتفع عنه الخوف والحزن لما يكشف له من رحمة الله وبشارته.

وهذا المعنى يؤكده الحديث القدسي الذى أورده البخارى فى صحيحه " من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى مما افترضته عليه، وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وإن سألنى لأعطينه ولئن استعاذ بى لأعيدنه.

فهذا الحديث تضمن المعانى التى فى الآيه الكريمه:

جانب العبد: وهو أداء الفرائض ثم التقرب بالنوافل وجانب الرب عز وجل: وهو محبته لذلك العبد ونصرته وتأييده ورعايته له فى كل موقف وحفظه لجوارحه فيصبح عبداً محفوظاً فى جميع جوارحه، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما، يا غلام أحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك.."[7].

إن كرامات الأولياء:

- قد تكون تأييداً وتثبيتاً للشخص.

-  وقد تكون تأييداً للحق.

ولهذا كان الكرامات فى التابعيين ومن جاء بعدهم أكثر من الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت ما يستغنون به عن الكرامات.

فالعاقل الذى يطلب الإستقامة لا الكرامة.

" قال ابو على الجوزجانى: كن طالباً للإستقامة لا طالباً للكرامة، فان نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الإستقامة.

قال الشيخ السهروروى فى عوارفه: وهذا الذى ذكره أصل عظيم كبير فى الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من اهل السلوك والطلاب، وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبداً نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شئ من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهماً لنفسه فى صحة عمله حيث لم يكاشف بشئ من ذلك ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً، والحكمه فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننا، فيقوى عزمه على هذا الزهد فى الدنيا والخروج من دواعى الهوى وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب ومن كوشف بصدق اليقين أغنى بذلك عن رؤيه خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشئ من ذلك لازداد يقيناً، فلا تقتضى الحكمه كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضوع استغناء به وتقتضى الحكمه كشف ذلك لآخر الموضع حاجته، وكان هذا الثانى يكون أتم استعداداً وأهلية من الأول، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالإستقامة، فهى كل الكرامة ثم إذا وقع فى طريقه شئ خارق كان كأن لم يقع فما يبالى ولا ينقص بذلك.

وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الإستقامة " [8].

الكرامة قسمان :

" قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فى العقيدة الواسطية " ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجرى الله على أيديهم من خوارق العادات فى أنواع العلوم والمكاشفات وانواع القدرة والتأثيرات...."

أثبت شيخ الإسلام رحمه الله فى هذا المقطع من عقيدته أن الكرامة قسمان:

1-  قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات.

2-  قسم يتعلق بالقدرة والتأثيرات.

أما القسم الأول فهو أن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره، والمكاشفات أن يكشف له من الأمور مالا يحصل لغيره.

مثال الأول وهو أن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره ما ورد عن أبو بكر الصديق رضى الله عنه أن الله أطلعه على ما فى بطن زوجته من الحمل.  أعلمه الله بأنه أنثى.

ومثال الثانى: وهو أن يحصل للإنسان من الكشف ما لا يحصل لغيره ما حصل للفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى قصته المشهورة يا سارية الجبل.

وما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم من المكاشفات فى غزوة مؤته عندما أخبر وهو فى المدينة بمقتل القواد الثلاثة وأنه تسلم الراية بعد جعفر خالد بين الوليد.

أما القسم الثانى من أقسام الكرامات، وهو ما يتعلق بالقدرة والتأثيرات، فهو كما قال العلماء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وما أعطى من قوة فى المناظرة والتأثير على الخصم من العلوم العقلية والنقلية، حتى قالوا أنه لم ينقطع رحمه الله يوماً من الدهر وهو يناظر خصمه.  حتى أنه كان يخصم الذى أمامه من أقواله ومذهبه، ولاشك ان هذا مما فتح الله به على شيخ الإسلام من الكرامات.

وهذا القسم من الكرامات، يناله شئ منه الواحد منا والله المستعان فى بعض المناسبات ونحن الضعاف المهازيل فأحياناً تقوم وتتكلم فى مناسبة ما، دون ما إعداد فتتكلم بكلام رصين متين قوى، وتأتى بالأدلة والشواهد حتى أنك أنت تستغرب من نفسك كيف خرج منك مثل هذا الكلام، الذى لو أعددت له ما كان بهذه القوه والرصانه والمتانة. لاشك بأن هذا مما يفتح الله به على العبد، وليس هو بحول العبد ولا بقوته.  وإن حصل شئ من هذا لأحدنا فى بعض الأحايين فايضاً ينبغى له ألا يغتر بنفسه فربما يكون استدراجاً له، وربما يكون هذا من تأييد الله جل وتعالى للحق لا للشخص.

فوائد الكرامات:

إن الكرامات لا تحصل عبثاً دون حكم وفوائد، وقد لخص العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى فوائد الكرامات فى ثلاث قضايا، ذكرها رحمه الله فى تعليقه على العقيده الواسطيه فقال رحمه الله:

" أعظمها الدلالة على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته وكما أن لله سنناً وأسباباً تقتضى مسبباتها الموضوعة لها شرعاً وقدراً فإن لله أيضاً سنناً أخرى لا يقع عليها علم البشر ولا تدركها أعمالهم وأسبابهم.  فمعجزات الأنبياء وكرامات الأوليات بل وأيام الله وعقوباته فى أعدائه الخارقه للعادة كلها تدل دلالة واضحة أن الأمر كله لله والتقدير والتدبير كله لله، وأن لله سنناً لا يعلمها بشر ولا ملك.  فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والنوم الذى أوقعه الله بهم تلك المدة العظيمة وقيض أسباباً متنوعة لحفظ دينهم وأبدانهم كما ذكر الله فى قصتهم.  ومنها ما أكرم الله به مريم بنت عمران وأنه " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ".  وكذلك حملها وولادتها بعيسى على ذلك الوصف الذى ذكر الله، وكلامه فى المهد هذا فيه كرامة لمريم ومعجزة لعيسى عليه السلام.  وكذلك هبته تعالى الولد لإبراهيم من سارة وهى عجوز عقيم على كبره، كما وهب لزكريا يحيى على كبره وعقم زوجته، وهذه معجزة للنبى وكرامة لزوجته.  وقد أطال شيخ الإسلام رحمه الله النفس وبسط الكلام فى هذا الموضوع فى كتابه - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وذكر قصصاً كثيرة متوافره تدل على هذه.

القضية الثانية:  ان وقوع الكرامات للأولياء فى الحقيقه معجزات للأنبياء لأن تلك الكرامات لم تحصل لهم إلا ببركة متابعة نبيهم الذى نالوا به خيراً كثيراً من جملتها الكرامات.

الثالثة:  أن كرامات الأولياء هى من البشرى المعجلة فى الحياة الدنيا كما قال تعالى " لهم البشرى فى الحياة الدنيا " وهى على قول بعض المفسرين:  كل أمر يدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم، ومن ذلك الكرامات، ولم تزل الكرامات موجودة لم تنقطع فى أى وقت وفى أى زمن وقد رأى الناس منها العجائب والأمور الكثيره"[9].

وهناك تعليق نفيس للشيخ / ابن عثيمين على الواسطيه ذكرها فى أشرطته تتعلق بالنقطه الثانية وهو أن الكرامة للولى معجزة للنبى قال حفظه الله " كل كرامة لولى فهى آيه للنبى الذى إتبعه، ولهذا قال بعض العلماء ان ما جرى من كرامات للأولياء من هذه الأمه فهى آيات للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء أنه ما من آية لنبى من الأنبياء السابقين إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها، فالرسول مثلاً لم يلق فى النار فيخرج حياً كما حصل لإبراهيم عليه السلام فقالوا جرى ذلك لأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم - كذلك فلق البحر لموسى عليه السلام حصل لأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أمور فى البحر أعظم مما حصل لموسى عليه السلام وهو المشى على الماء، كذلك إحياء الموتى لعيسى عليه السلام حصل لأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مثلها، كذلك الرجل الذى أحيا الله له فرسة حتى بلغ أهله، كذلك إبراء الأكمه وإعادة البصر حصل للرسول صلى الله عليه وسلم نفسه.

ضوابط الكرامة :

ليس كل ما يظهر على أيدى الصالحين أو غيرهم يكون كرامة، بل قد تكون غواية من الشيطان أو إضلالاً من بعض الجن.  ولذا فقد وضع الدكتور أحمد بن سعد حمدان محقق كتاب اللالكائى - شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة - مقدمة فى الجزء التاسع منه خاص بموضوع الكرامات فوضع حفظه الله أربعة ضوابط مهمة:

1-أن يكون صاحبها مؤمناً متقياً :

وهو الوصف الذى ذكره الله عز وجل فى كتابه بقوله تعالى " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون ".

فيؤدى ما افترضه الله عز وجل عليه من الفروض والواجبات ويجتنب ما نهاه الله عز وجل عنه من المحرمات ثم يترقى فى سلم العبودية بعمل المستحبات وترك المكروهات حتى يحقق معنى الولاية.

قال شيخ الاسلام:  وليس لله ولى إلا من اتبعه باطناً وظاهراً فصدقه فيما أخبر به من الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات.

2-  أن لا يدعى صاحبها الولاية :

الولاية هى درجة تتعلق بفعل الرب عز وجل وفعل العبد، والعبد كما ذكرنا يترقى فى سلم العبوديه بنقل الطاعات وترك المخالفات، وهو لايعلم عن الله عز وجل وهل قبل الله من العبد عمله فرفعه به أم لم يقبله منه.

فدعوى الولايه هى دعوى علم الغيب أولاً ثم إنها تزكية للنفس ثانياً وقد قال الله عز وجل " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ".

3-  أن لا تكون سبباً فى ترك شئ من الواجبات:

الكرامة يحصل عليها الولى بسبب طاعته لله عز وجل بإيمانه وتقواه، ويلزم من ذلك أن لا تخالف ما كان سبباً فى حصولها.

4-  أن لا تخالف أمراً من أمور الدين:

فلو رأى فى المنام أو فى اليقظه أن شخصاً فى صورة نبى أو ملك أو صالح يقول له:  قد أبحت لك الحرام أو حرمت عليك الحلال أو أسقطت عنك التكاليف أو نحو ذلك لم يصدقه.  فإن ذلك من الشيطان إذ أن شريعة الله عز وجل باقيه إلى يوم القيامة من غير نسخ فما رأى الإنسان يقظه أو مناماً يخالف ذلك فينبغى أن يعرف أنه من الشيطان [10].

الأشخاص الذين تظهر على أيديهم الخوارق: [11].

ليس كل من ظهر على يديه امر خارق للعادة كان ولياً، ولذا فيمكن تصنيف أصحاب الخوارق إلى عدة أقسام على النحو التالى:-

1-  أناس صالحون ملتزمون بالشريعة الإسلامية ظاهراً وباطناً قد آمنوا بالله عز وجل وبما أمرهم أن يؤمنوا به وعملوا بما أمروا أن يعملوه ويعبدون الله عز وجل على وجل وخشية أن لا يتقبل منهم.

قد اتخذوا من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة يسيرون على منهاجها، ولا يدعون لأنفسهم مكانه زائدة على افراد الأمة ولا يزكون أنفسهم، فهؤلاء هم أهل كرامة الله عز وجل وأهل توفيقه وليس فوق هداية العبد لطاعة اله عز وجل منزلة يتطلع إليها الإنسان المسلم.

2-  قسم فاسق استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين إما عن طريق السحر أو ما شابه ذلك من الوسائل المحرمة.  فهؤلاء قد اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله عز وجل وباعوا دينهم بما تقدمه لهم الشياطين مخاريق وبما تعينهم عليه من أعمال.

وهذا الصنف قد يظهر على حقيقته أمام الناس ويهمل الواجبات الشرعية ويرتكب المحذورات المحرمة وهذا كاف فى بيان حاله وأنه ليس أهلاً للكرامة ولا للولاية لمخالفة سلوكه لسلوك أولياء الله عز وجل.

3-  قسم كفار، استعملوا وسائل متعدده كالقسم السابق إلا أن هؤلاء يعملون ما يعملون لإفساد عقائد المسلمين فيظهرون لهم فى مظهر الزهاد الصالحين ويظهرون لهم من السحر والشعوذة، ما يخدعونهم به ثم يبثون فيهم عقائد الشرك والضلال تحت ستار " الولايه " والناس ينخدعون بما يرونه يظهر على يديه من الأعمال الغريبة والمخاريق العجيبة.

4-  وقسم عباد جهلة، أغواهم الشيطان، وهؤلاء ليس لديهم من العلم الشئ الذى يجعلهم يميزون فهؤلاء لا يفرقون بين ما هو كرامة، وما هو من خداع الشيطان.

فإذا رأوا أمراً غريباً أو سمعوا صوتاً ظنوا أن هذا ملك يخاطبهم، وما علموا بأن الشيطان قد يتمثل فى صورة دابة، وكل هذا من مكر الشيطان بعباد الكرامات والذين ليس لديهم من العلم الشرعى ما يفرقون به بين الحق والباطل.

بين المعجزة والكرامة :

اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة فى اللغة وأيضاً فى عرف الأئمه المتقدمين كالإمام أحمد وغيره، ويسمونها الآيات لكن كثير من المتأخرين يفرق فى اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبى والكرامة للولى.  وجماعهما الأمر الخارق للعادة.

فالمعجزة، أمر خارق للعادة مقرون بالتحدى سالم من المعارضه والمعجزة تكون حسية وتكون معنوية.

فالحسية هى المشاهده بالبصر، كخروج الناقة، وانقلاب عصى موسى حية.

أما المعنوية، كمعجزة القرآن.

وقد أوتى نبينا صلى الله عليه وسلم من كل ذلك، فمن المحسوسات: انشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الطعام، وغيرها.

ومن المعنويات. المعجزه الباقية الخالدة وهو القرآن.

أما الكرامات، فهى للأنبياء وللأولياء، وثبوتها للأولياء حق، وهو ظهور الأمر الخارق للعادة على أيديهم، وإن لم يعلموا كقصه أصحاب الكهف وأصحاب الصخرة، وكلها معجزات لأنبيائهم وكنداء عمر لساريه وككتابته إلى نيل مصر وكخيل العلاء بن الحضرمى، وسيأتى تفصيل هذه بعد قليل بزيادة إيضاح وأمثله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى " فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظه ومناماً، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحياً والهاماً أو إنزال علم ضرورى أو فراسة صادقه، ويسمى كشفاً ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات، فالسماع مخاطبات والرؤيه مشاهدات والعلم مكاشفة، وما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة وصدقاً ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذى لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر فيه كقوله " من عادى لى ولياً فقد بارزني فى بالمحاربه [12].

ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك.  وكذلك ما كان من باب العلم والكشف قد يكشف لغيره من حاله بعض أمور، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى المبشرات "هى الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له" [13]. وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم " أنتم شهداء الله فى الأرض"[14].

وقد جمع لنبينا صلى الله عليه وسلم جميع أنواع المعجزات والخوارق أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤيه فمثل إخبار نبينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء المتقدمين وأممهم ومخاطباته لهم وأحواله معهم، وكذلك إخباره عن أمور الربوبيه والملائكه والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم، فإخباره عن الأمور الغائبه ماضيها وحاضرها هو من باب العلم الخارق، وكذلك إخباره عن الأمور المستقبلة مثل مملكة أمته وزوال مملكة فارس والروم، وقتال الترك وألوف مؤلفة من الأخبار التى أخبر بها مذكور بعضها فى كتب دلائل النبوة لأبى نعيم والبيهقى " انتهى [15].

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى وأطال فى عمره " الفرق بين المعجزة والكرامة والأحوال الشيطانيه الخارقه للعادة على يد السحرة والمشعوذين: أن المعجزة هى ما يجرى الله على أيدى الرسل والأنبياء من خوارق العادات التى يتحدون بها العباد ويختبرون بها ويخبرون بها عن الله لتصديق مابعثهم به ويؤيدهم بها سبحانه كانشقاق القمر ونزول القرآن فإن القرآن هو أعظم معجزة لرسول على الإطلاق ولحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات الكثيرة.

وأما الكرامة فهى ما يجرى الله على أيدى أوليائه المؤمنيين من خوارق العادات كالعلم والقدرة وغير ذلك كالظلة التى وقعت على أسيد بن الحضير حين قراءته القرآن وكإضاءة النور لعباد بن بشر وأسيد بن حضير حين انصرفا من عند النبى صلى الله عليه وسلم فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف سوطه وشرط كونها كرامة أن يكون من جرت على يده هذه الكرامه مستقيماً على الإيمان ومتابعة الشريعة فإن كان خلاف ذلك فالجارى على يده من الخوارق يكون من الأحوال الشيطانيه ثم ليعلم أن عدم حصول الكرامة لبعض المسلمين لا يدل على نقص إيمانهم لأن الكرامة إنما تقع لأسباب:

منها:  تقوية إيمان العبد وتثبيته ولهذا لم ير كثير من الصحابة شيئاً من الكرامات لقوة إيمانهم وكمال يقينهم.  ومنها:  إقامة الحجة على العدو كما حصل لخالد لما أكل السم وكان قد حاصر حصناً فامتنعوا عليه حتى يأكله، فأكله وفتح الحصن، ومثل ذلك ما جرى لأبى مسلم الخراسانى لما ألقاه الأسود العنسي فى النار فأنجاه الله من ذلك لحاجته إلى تلك الكرامة وكقصة أم أيمن لما خرجت مهاجرة واشتد بها العطش سمعت حساً من فوقها فرفعت رأسها فإذا هى بدلو من ماء فشربت منها ثم رفعت.

وقد تكون الكرامة ابتلاء فيسعد بها قوم ويشقى بها آخرون وقد يسعد بها صاحبها إن شكر وقد يهلك إن أعجب ولم يستقم " [16].  انتهى كلامه حفظ الله.

وقال الشيخ / عبد العزيز السلمان " ويفرق بينها وبين المعجزة بأن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة بخلاف الكرامة [17].

صور من المعجزات والكرامات:

فأولاً: هذه بعض معجزات رسولنا صلى الله عليه وسلم

-  روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر رضى الله عنه قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا وادياً أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضى حاجته فاتبعته باداوة من ماء فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئاً يستتر فإذا شجرتان بشاطئ الوادى فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصنين من أغصانها فقال انقادى على بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوم الذى يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بعض أغصانها فقال انقادى على بإذن الله فانقادت كذلك حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما فلئم بينهما حتى جمع بينهما، فقال التئما على بإذن الله فالتأمتا عليه فخرجت احضر مخافه أن يحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربى فتباعدت فجلست أحدث نفس فحانت منى لفتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق ".

- ولما انكسرت رجل عبد الله بن عتيك رضى الله عنه بعد ما قتل أبا رافع الذى يؤذى النبى صلى الله عليه وسلم قال فانتهيت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال لى " أبسط رجلك " فبسطت رجلى فمسحتها فكأنها لم أشتكها قط.

- وفى الترمذى عن على رضى الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا  فى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله.

-  وجاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  بم أعرف أنك نبي ؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد انى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  قال نعم، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبى صلى الله ثم قال أرجع فعاد، فأسلم الأعرابى.

-  وقصة ارتجاف أحد: وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم صعد أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ أثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان “.

-  وقصه ماء الركوة: وهى ما ورد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبى صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ فجهش الناس نحوه فقال “ ما لكم “ قالوا ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك قال جابر فوضع النبى صلى الله عليه وسلم يده فى الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قال سالم قلت لجابر كم كنتم قال: لو كنا مائه ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائه.

-  وقصه عكاشه بن محصن بن حرشان الأسدى حينما اندفع يقاتل المشركين يوم بدر ويحصد فيهم حصدا حتى انكسر سيفه فلم يثنه ذلك عن خوض المعركه ولم يتخذ من كسر سيفه فلم يثنه ذلك عن خوض المعركه ولم يتخذ من كسر سيفه معذرة عند القتال فجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم يخبره بكسر سيفه وإرادة غيره فدفع صلى الله عليه وسلم جذلاً من حطب فقال له، قاتل بهذا يا عكاشة " فلما اخذه عكاشة من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد فى يده سيفاً صارماً طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به رضى الله عنه حتى فتح الله تعالى على المسلمين ولم يزل عنده ذلك السيف يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد فى قتال الردة فى خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه.

-  وقصة حنين الجذع: ما ورد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه فإن لى غلاماً نجاراً قال " إن شئت " قال فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة وقف النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر الذى صنع فصاحت النخلة التى كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبى صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبى الذى يسكت.

-  وقصة قتادة بن النعمان:  فعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذاك ليلة لصلاة العشاء وهاجت الظلماء من السماء وبرقت برقة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتادة بن النعمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قتادة ؟ " قال نعم يا رسول الله، علمت أن شاهد الصلاة الليلة قليل فأحببت أن أشهدها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا انصرفت فأتنى " فلما انصرف أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجوناً وقال " خذه فسيضئ أمامك عشراً وخلفك عشراً ".

-  وقصه أبى جابر:  وهى ما ورد عند جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: توفى أبى شهيداً فى أحد وعليه دين فاستعنت النبى صلى الله عليه وسلم على غرمائه أن يضعوا من دينه فطلب النبى صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا فقال لى النبى صلى الله عليه وسلم “ إذهب فصنف تمرك أصنافاً، العجوه على حدة وعذق زيد على حدة ( أنواع التمر ) ثم أرسل إلى قال جابر ففعلت ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على أعلاه أو فى وسطه ثم قال “ كل للقوم “ قال جابر فكلتهم حتى أوفيتهم الذى لهم وبقى تمرى كأن لم ينقص منه شئ.

-  ومن ذلك مجئ المطر فى مسيره صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى بدر وكان للمسلمين نعمة وقوة وعلى الكفار بلاء ونقمه.

-  ورميه صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصى والتراب حتى عمت رميته الجمع وتقليل المشركين فى أعين المؤمنين، وإشارة النبى صلى الله عليه وسلم إلى مصارع المشركين بقوله وهذا مصرع فلان هذا مصرع فلان” فرأى المسلمون ذلك على ما أشار إليه وذكره.

-  وقصه لبن أهل الصفة وذلك أن أبا هريرة قعد يوماً على الطريق فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآه وعرف ما فى نفسه وما فى وجهه ثم قال " يا أبا هريرة " قلت لبيك يا رسول الله قال " إلحق " ومضى فتبعته فاستأذن فأذن لى فدخل فوجد لبناً فى قدح، فقال “ من أين هذا اللبن “ ؟  قالوا: من فلان أو فلانه قال " أبا هر " قلت لبيك يا رسول الله قال، إلحق إلى أهل الصفة فادعهم لى " قال أبو هريرة فساءنى ذلك فقلت وما هذا اللبن فى أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاؤوا  أمرنى أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغنى من هذا اللبن قال فاتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت فقال “ يا أبا هريره “ قلت لبيك يا رسول الله قال “ خذ فأعطهم “ قال فأخذت القدح فجعلت أعطى الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح، حتى انتهيت إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقد روى القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلى فتبسم فقال: يا أبا هر “ قلت لبيك يا رسول الله قال " بقيت أنا وأنت " قلت صدقت يا رسول الله، قال " أقعد فاشرب " فقعدت فشربت فقال " إشرب " فشربت.  فما زال يقول اشرب حتى قلت والذى بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، قال “ فأرنى “ فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة صلى الله عليه وسلم.

-  ومن ذلك رد عين قتادة بن النعمان فقد أصيبت عينه فى غزوة أحد حتى وقعت على وجنته فردها النبى صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظراً وفى ذلك يقول إبنه :

أنا ابن الذى سالت على الخد عينه      فردت بكف المصطفى أحسن الرد

فعادت كما كانت لأول مرة               فيا حسن ما عينه ويا حسن ماخد

-  وقال رفاعة بن رافع رميت بسهم يوم بدر ففقئت عينى فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لى فما آذانى منها شئ بعد.

-  ومن ذلك استسقاؤه واستصحاؤه صلى الله عليه وسلم.

ففى الصحيحين عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه ثم قال " اللهم أغثنا اللهم أغثنا " قال أنس والله ما نرى فى السماء من سحاب ولا من قزعة وإن السماء مثل الزجاجة وما بيننا وبين سلع من دار، فو الذى نفسى بيده ما وضع يديه حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحدر عن لحيته.

-  ومن ذلك ما فى غزوة خيبر من أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى على وهو أرمد فبصق فى عينيه فبرئ كأنه لم يكن به وجع.

-  وقصة طعام جابر رضى الله عنه معروفه مشهورة.

ولقد صدق من قال:

محمد المبعوث للناس رحمة                      يشيد ما أوهى الضلال ويصلح

لئن سبحت صم الجبال مجيبة           لداود أو لان الحديد المصفح

فإن الصخور الصم لانت لكفه           وإن الحصا فى كفه ليسبح

وإن كان موسى أنبع الماء من العصا     فمن كفه قد أصبح الماء يطفح

وإن كانت الريح الرخاء مطيعة           سليمان لا تألوا تروح وتسرح

فإن الصبا كانت لنصر نبينا             برعب على شهر به الخصم يكدح

وإن أوتى الملك العظيم وسخرت         له الجن تشفى مارضيه وتلدح

وإن كان إبراهيم أعطى خلة              وموسى بتكليم على الطور يمنح

فهذا حبيب بل خليل تكلم                وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح

وخصص بالحوض العظيم وباللوا                ويشفع للعاصين والنار تلفح

وبالمقعد الأعلى المقرب عنده            عطاء ببشراه أقر وأفرح

وبالرتبه العليا الوسيلة دونها              مراتب أرباب المواهب تلمح

وفى جنة الفردوس أول داخل            له سائر الأبواب بالخار تفتح

ثانياً :  نماذج من كرامات الأولياء :

-  قصة سفينه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ركبنا البحر فى سفينه فانكسرت السفينه فركبت لوحاً من ألواحها فطرحنى فى أحجة فيها أسد، فلم يرعنى إلا به فقلت:

يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه وغمز بمنكبه شقى، فما زال يغمزنى ويهدينى الطريق حتى وضعنى على الطريق وهمهم فظننت أنه يودعنى.

-  ومنها قصة أبى مسلم الخولانى فإنه لما قال له الأسود العنسي المتبنى: أتشهد أنى رسول الله، قال ما أسمع، قال أتشهد أن محمداً رسول الله، قال نعم، فأمر بنار فأوقدت له وألقى فيها فجاءوا إليه فوجدوه يصلى فيها، وقد صارت عليه برداً وسلاماً، فقدم المدينة بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم، وأجلسه عمر بينه وبين أبى بكر، وقال:  الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أرانى فى أمه محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم.

-  والعلاء بن الحضرمى كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين، وكان يقول فى دعائه يا عليم يا حليم يا على يا عليم فيستجاب له، ودعا الله بأن يسبقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والإسقاء فأجيب، ودعا الله لما إعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما أبتلت سروج خيولهم، ودعا الله أنه لا يروا جسمه إذا مات فلم يجدوه فى اللحد.

-  ولما مات أويس القرنى وجدوا فى ثيابه أكفاناً لم تكن معه من قبل ووجدوا له قبراً محفوراً فى لحد من صخر فدفنوه فيه وكفنوه فى تلك الأثواب.

-  وأسيد بن حضير كان يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهى الملائكه نزلت لقراءته.

-  وكانت الملائكه تسلم على عمران بن حصين.

-  وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما.  رواه البخارى وغيره.

-  وقصه الصديق فى الصحيحين لما ذهب بثلاثه أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمه إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هى قبل ذلك.

-  وخبيب بن عدى كان أسيراً عند المشركين بمكه، وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكه عنبة.

-  وعامر بن فهيرة قتل شهيداً فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال عروة فيرون الملائكه رفعته.

-  وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت عطشاً فلما كان وقت الفطر وكانت صائمه سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها.

-  والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين فى الجهاد يقولون يا براء اقسم على ربك فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم ينهزم العدو، فلما كان يوم القادسية قال:  أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتنى أول شهيد، فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيداً.

-  وخالد بن الوليد حاصر حصناً منيعاً فقالوا:  لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره.

-  وسعد بن أبى وقاص كان مستجاب الدعوه ما دعا قط إلا استجيب له وهو الذى هزم كسرى وفتح العراق وذلك أنه لما وقف أمام المدائن ولم يجد شيئاً من السفن وتعذر عليه تحصيل شئ منها بالكلية، وقد ازدادت دجلة زيادة عظيمة واسود ماؤها ورمت بالزبد من كثرة مائها فخطب سعد الناس على الشاطئ وقال ألا إنى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعاً عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملأوا ما بين الجانبين فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجال وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض.

-  ولما عذبت الزنيرة على الإسلام فى الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها، قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى قال: كلا والله فرد الله بصرها.

-  ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمى الله بصرها لما كذبت عليه فقال:  اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها فى أرضها فعميت ووقعت فى حفرة من أرضها فماتت.

-  وتغيب الحسن البصرى عن الحجاج الظالم المشهور فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيهم فخر ميتاً.

-  وصله بن أشيم مات فرسه وهو فى الغزو فقال:  اللهم لا تجعل لمخلوق على منه، ودعا الله عز وجل فأحيا فرسه، فلما وصل إلى بيته قال: يابنى خذ سرجه فانه عاريه فأخذ سرجه فمات الفرس.

إلى غير ذلك كثير من الكرامات التى حصلت لصالحى هذه الأمة، وقد ذكر أضعاف هذا بكثير الإمام أبى القاسم اللالكائى فى كتابه شرح أصول إعتقاد اهل السنة والجماعه، الجزء التاسع منه، فقد خصه بكرامات الأولياء، فمن أراد المزيد رجع إلى ذلك السفر العظيم.

آراء الفرق المخالفة لأهل السنة والرد عليها:

تبين لنا مما سبق أن قول أهل السنة والجماعة فى باب الكرامات هو جواز وقوعها على أيدى الصالحين وانها أمر خارق للعادة غير مقرونة بدعوى النبوة، وأنها لا تصل إلى الخوارق التى أظهرها الله عز وجل على أيدى أنبيائه ورسله.

فظهر هناك بعض الفرق المخالفة لمعتقد أهل السنة فى هذا الباب، من هذه الفرق الأشاعرة والمعتزله، وكل فرقه من هاتان الفرقتان غلت فى جانب كما سيظهر بعد قليل من عرض آرائهم ثم الرد عليها.

مذهب الأشاعرة: 

تعتقد الأشاعرة جواز الكرامات بدون حد، وما جاز وقوعه لنبى جاز وقوعه لولى، بل الخارق للعادة يقع من النبى والولى والساحر، ولا فرق إلا دعوى النبوة من النبى والصلاح من الولى.

يقول الجوينى فى كتاب الإرشاد صــ 269 " فإن قيل فما الفرق بين الكرامة والمعجزة قلنا:  لا يفترقان فى جواز العقل إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة ".

وكما نلاحظ من هذا المذهب أنه لا يخص الأنبياء بمعجزات زائدة على ما يحدث على أيدى الأولياء.

فيرد عليهم :

بأن الخوارق التى تقع على أيدى " الأنبياء أظهرها الله عز وجل لتأييد دعوى النبوة لإقناع جماعات كافرة جاحدة، أما ما يظهر على أيدى الأولياء فإنه خاص بالولى نفسه جزاء  له على عبادته أو لتقوية إيمانه أو نحو ذلك.  ولا يستوى ما كان الغرض منه الإقناع لجماعات متعددة متنوعة الثقافة ومختلفة العقول تعاند الحق وتحاربه وما كان الغرض منه فردياً لشخص مؤمن فى الأصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله " ثم هؤلاء جوزوا كرامات الصالحين ولم يذكروا بين جنسها وجنس كرامات الأنبياء فرقاً، بل صرح أئمتهم أن كل ما خرق لنبى يجوز أن يخرق للأولياء حتى معراج محمد صلى الله عليه وسلم وفرق البحر لموسى عليه السلام وناقة صالح عليه السلام وغير ذلك، ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقاً معقولاً بل قد يجوزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك لكن بينهما فرق دعوى النبوة وبين الصالح والساحر والبر والفجور .......

إلى أن قال رحمه الله:

ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون فى الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ولكن قد يشاركونهم فى بعضها كما قد يشاركونهم فى بعض أعمالهم "[18].

مذهب المعتزلة :

يرى المعتزلة أن خوارق العادات لا يمكن أن تقع لغير الأنبياء، ولذا فقد ذهبوا إلى منع وقوع الكرامات للأولياء والصالحين، وقد قال بهذا القول أيضاً الإمام محمد بن حزم رحمه الله تعالى.  قال شيخ الإسلام " فقالت طائفه لا تخرق العادة إلا لنبى وكذبوا بما يذكر من خوارق السحرة والكهان وبكرامات الصالحين وهذه طريقة أكثر المعتزلة وغيرهم كأبى محمد بن حزم وغيره " [19].

وحجة المعتزلة فيما ذهبوا إليه أنه بالقول بالكرامات يشتبه النبى بالولى والنبى بالسحر وغيره.

ولا شك بأن هذه الحجه كما هى واضحه حجه عقليه فالمعتزلة كعادتهم يردون مسائل الاعتقاد إلى عقولهم فما وافقهم آخذوا به، وما خالف ردوه.

الرد عليهم:

يكفى فى نقض كلام المعتزلة هذه النصوص الصحيحه الوارده فى الكتاب والسنه والتى سقنا طرفاً منها فى ثنايا هذا البحث والتى تثبت الكرامه لأولياء الله جل وتعالى. ولا شك أن نتاج العقل يجب أن يضرب به عرض الحائط إذا خالف نصاً من كتاب أو سنه.

وقد أورد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قول المعتزلة ثم رد عليهم بأن هذه الخوارق قد تواترت وشاهدها الناس وهذا كاف فى الرد عليهم فقال:

" والمنازع لهم. أى للمعتزلة - يقول هى أى الخوارق موجودة مشهودة لمن شهدها متواترة عند كثير من الناس أعظم مما تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء وقد شهدها خلق كثيرلم يشهدوا معجزات الأنبياء فكيف يكذبون بما شهدوه ويصدقون بما غاب عنهم ويكذبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره "[20].

وقال الشيخ السعدى رحمه الله " وقد أنكرها أيضاً طائفه من أهل الكلام ظناً منهم أن فى إثباتها إبطالاً لمعجزات الأنبياء وهذا وهم باطل أبطله المؤلف - يعنى شيخ الاسلام - فى كتابه النبوات وغيره من كتبه" [21].

والحمد لله ..



([1])  شرح العقيدة الواسطيه لشيخ الاسلام - لمحمد خليل هراس صــ 176 - طبعة دار الإفتاء 1402هـ.

([2])  شرح العقيدة الطحاويه - طبعة المكتب الاسلامى صــ 558.

([3])  لوامع الأنوار البهية - للعلامه السفارينى جـ 2 صـ392.

([4])  لسان العرب 12/510

([5])  الكواشف الجليه عن معانى الواسطيه - عبدالعزيز السلمان صــ 717.

([6])  لوامع الأنوار البهيه 2/392.

([7])  شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعه - كرامات أولياء الله عزوجل للالكائي 9/7.

([8])  المعجزات والكرامات - إبن يتمية صــ17.

([9])  التنبيهات اللطيفة - للشيخ العلامه عبدالرحمن السعدى صــ 99.

([10])  شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة - اللالكائى 9/34.

([11])  من بحث الدكتور أحمد حمدان فى مقدمه كتاب اللالكائى صــ23.

([12])  رواه البخارى من حديث أبى هريرة - كتاب الرقائق - باب التواضع.

([13])  رواه الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، ورواه أبو داود.

([14])  رواه إبن ماجه والإمام أحمد فى مسنده عن إبن عمر.

([15])  بتصرف من رسالة شيخ الاسلام - المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات صــ11.

([16])  التنبيهات اللطيفة على مااحتوت عليه العقيدة الواسطيه من المباحث المنيفه تأليف العلامة الشيخ / عبدالرحمن بن ناصر السعدى.  علق عليها العلامة الشيخ / عبدالعزيز بن باز صــ97.

([17])  الكواشف الجلية عن معانى الواسطيه صــ 717.

([18])  النبوات - شيخ الإسلام إبن تيميه رحمه الله صــ3

([19])  النبوات صــ 2

([20])  النبوات صــ2

([21])  التنبيهات اللطيفه - للسعدى صــ 100