logo www.alahmad.com

 بسم الله الرحمن الرحيم

د. ناصر بن محمد الأحمد

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فهذا جمع لمادة في أحكام الحج كانت بدايتها عبارة عن تلخيص لما كتبه العلامة الإمام الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان، ثم أضيف إليها نقولات من كتب أخرى متفرقة جعلتها مضللة ومحال إلى مواضعها، ثم أعيد ترتيب ما كتبه الشنقيطي وباقي الإضافات ليتوافق مع ترتيب أحكام الحج.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل..


تعريف الحج:

الحج لغة: القصد. ويصح حَج (بالفتح) وحِج (بالكسر) والفتح والكسر لغتان صحيحتان في لغة العرب. قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) وقال تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله).

وشرعاً: هوقصد بيت الله الحرام في زمن مخصوص بنية أداء المناسك من طواف وسعي ووقوف بعرفه ومبيت بمزدلفه ورمي للجمار وغيرها. ويكون هذا القصد في أشهر الحج المعلومة وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة.

فمن قصد مكة في غير أشهر الحج لم يكن حاجا.

ومن قصدها في أشهرالحج وتنقل مع الحجاج داخل المشاعر ولكنه بغير نية الحج كالباعة والموظفين والعسكريين لم يكن حاجا.

الحج لغة: القصد وكثرة الاختلاف والتردد. تقول العرب: حج بنو فلان فلانا: إذا قصدوه وأطالوا التردد عليه.

شرعا: إسم لأفعال مخصوصة يأتي ذكرها إنشاء الله تعالى.

وهي أحد أركان الإسلام الخمسة.

أصل مشروعية الحج: الحج أحد أركان الإسلام، وحكمه أنه فرض عين على المكلف المستطيع مرة واحدة في العمر. ومن أنكر ذلك فقد كفر إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام.

وحكمه: أنه واجب: قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وقال تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) وقال تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا  جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم).

والدليل من السنة على وجوب الحج ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا...الخ).

الإجماع: قال ابن قدامة في المغني: وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة.

تاريخ البيت: قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى في سورة الطور: (والبيت المعمور) قال: ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الاسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: (ثم رفع بي إلى بيت المعمور واذا هم يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعدون إليه آخر ما عليهم) ثم قال: يعني فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور لأنه باني الكعبة الأرضية والجزاء من جنس العمل وهو بحيال الكعبة وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة والله أعلم". انتهى كلامه رحمه الله.

من معتقد أهل السنة والجماعة أن بيت الله، هذا الذي تشاهدونه وتطوفون به، وتحجون وتعتمرون إليه، سوف يهدم في آخر الزمان، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا.

تاريخ الكعبة: تعرضت الكعبة للهدم والغزو عدة مرات، ولعل أن هذا العرض التاريخي يهيأ النفوس ولا تستبعد أنها سوف تهدم في آخر الزمان أيضاً.

فأول مرة هدمت فيها الكعبة بعد أن بناها إبراهيم عليه السلام كانت في زمن قريش في الجاهلية قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات تقريباً، وكان عمره عليه الصلاة والسلام آنذاك خمساً وثلاثين سنة، أرسل الله عز وجل سيلاً عظيماً فهدمها، فتشاورت قريش واجتمعت وأجمعت على عمارتها، وكان بمكة رجل قبطي نجاراً فسوى لهم ذلك، وبنوها ثمانية عشر ذراعاً، حتى أتوا على موضع الحجر واختلفوا أي قبيلة تضعها، حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم بينهم والقصة معروفة.

ثم بقى البناء على ما هو عليه من زمن قريش حتى تولى عبدالله بن الزبير إمارة الحجاز فهدمت في زمنه وهذه المرة الثانية والسبب: هو الخلاف الذي كان بين عبدالله بن الزبير ويزيد بن معاوية رحمهما الله تعالى، فأرسل يزيد جيشاً بقيادة الحصين بن نمير السكوني لقتال ابن الزبير، فتحصن عبدالله بن الزبير في المسجد حول الكعبة، ونصب فيها خياماً يستظلون بها من الشمس، لكن الحصين بن نمير نصب المنجنيق على جبل الأخشبين وصار يرمي على ابن الزبير وأصحابه وكانت أحجار المنجنيق تصيب الكعبة فوهنت وتخرقت كسوتها، ثم إن رجلاً من أصحاب ابن الزبير أوقد ناراً في بعض الخيام والمسجد يومئذ صغير فهبت ريح شديدة والكعبة مازالت على بناء قريش من اللبن والحجارة، فطارت شرارة من تلك النار وتعلقت بكسوة الكعبة فاحترقت، فازداد التصدع في جدارها، فبعد ما توقف القتال استشار عبدالله بن الزبير في هدم الكعبة وبناءها من جديد فأبى عليه أغلب الناس وكان أشد الناس إباء ابن عباس رضي الله عنهما، وقال له دعها على ما أقرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبنى فيتهاون الناس بها ولكن ارقعها، فقال ابن الزبير والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه فكيف أرقع بيت الله، واستقر رأيه على هدمها، وأن يعيدها على قواعد إبراهيم عليه السلام، فلما كان يوم السبت الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وستين أمر بهدمها فلم يجرؤ أحد على ذلك، وخرج أهل مكة مخافة أن ينـزل بهم عذاب، وخرج ابن عباس إلى الطائف، فلما رأى ابن الزبير ذلك على بنفسه وأخذ المعول وصار يهدمها ثم صعد معه الناس وهدموها وأعاد بناءها على قواعد إبراهيم وأدخل الحجر في البيت لأن الحجر أساس من البيت، هكذا بناها إبراهيم عليه السلام لكن لما هدمت بالسيل في زمن قريش قصرت النفقة بقريش ولم يتمكنوا من إكمال بناءها على قواعد إبراهيم فبنوا ما تمكنوا من بناءه ووضعوا الحجر فجاء ابن الزبيروأدخل الحجر في البيت.

فلما تولى عبدالملك بن مروان الخلافة وكان يعلم بأن الحجر في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كان خارج البيت فقال: هذه بدعه ابتدعها ابن الزبير ما عهدنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم الكعبة من جديد وأخرج الحجر خارج البيت والله المستعان مع أن الأصل أن يكون الحجر داخل البيت كما بناها إبراهيم عليه السلام، فلما تولى الخلافة المهدي أو ابنه المنصور بعد عبدالملك بن مروان استشار العلماء في هدمها مرة رابعة لإدخال الحِجر فقال له الإمام مالك رحمه الله إمام دار الهجرة: لا تفعل، ومنع الخليفة من ذلك وقال: إني أكره أن يتخذها الملوك ملعبة يبني هذا ويهدم هذا فتركها على ماهي عليه، فبقيت على وضعها حتى وقتنا هذا.

أما عن غزو البيت ومحاولة الاعتداء عليه وأخذ كنوزه فكثيرة جداً:

أول محاولة في عهد أبي طالب في الجاهلية، وقصة أصحاب الفيل وجيش أبرهة المعروف، وكيف أن الله عز وجل حمى بيته وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. واعتدى أيضاً القرامطة على بيت الله في زمن أميرهم أبا الطاهر سليمان بن أبي سعد فدخل مكة وقتل من الحجاج الكثير ثم أمر هذا القرمطي لعنه الله أن يدفن القتلى ببئر زمزم فدفنوا بها ودفن كثير منهم في أماكنهم في أزمة مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام وهدم القرمطي قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها وفرقها بين أصحابه، ثم أمر بقلع الحجر الأسود وأخذوه معهم إلى بلادهم وكانوا يسكنون منطقة الأحساء حالياً حتى قيض الله عز وجل مملوكاً تركياً في زمن الخليفة القائم بأمر الله، فاستنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة وافتداه منهم بخمسين ألف دينار بذلها حتى أرجع الحجر إلى مكانه.

وهنا لفتة في استلام الحجر: القرامطة اقتلعوا الحجر الأسود في أحداث عام 317هـ وحملوه إلى البحرين ثم نقلوه بعد ذلك إلى الكوفة وبقى عندهم قرابة 22 سنة. ولهذا حين ألف الإمام الخِرقيّ رحمه الله المتوفى سنة 334هـ مختصره في الفقه من تلك الفترة العصيبة قال حين جاء على ذكر مناسك الحج: "ثم أتى الحجر الأسود إن كان فاستلمه". قال ابن قدامة في المغني 3/371: "وقول الخرقي إن كان يعني إن كان الحجر في موضعه لم يذهب به كما ذهبت به القرامطة حين ظهروا على مكة فإن كان ذلك والعياذ بالله فإنه يقف مقابلا لمكانه ويستلم الركن وإن كان الحجر موجوداً في موضعه استلمه وقبله". انتهى.

وأما عند خراب وهدم الكعبة في آخر الزمان فقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان، يخرج رجل من الحبشة وهو الذي يهدمها، روى الإمام أحمد عند عبدالله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين في الحبشة ويسلبها حليها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلعا أفيدعا يضرب بمسحاته ومعوله". وفي البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كأني أنظر إليه أسود أفحج، ينقضها حجراً حجراً - يعني الكعبة". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة وسمي ذو السويقتين، لصغر ساقيه ورقتهما".

س: كيف يهدم الكعبة وقد جعل الله مكة حرماً آمناً؟

ج: إن الله جعل مكة حرماً آمناً إلى قرب يوم القيامة، وقبيل يوم القيامة يأتي هذا الجيش ويهدمها بأمر الله عز وجل. هذا ما قرره الإمام النووي رحمه الله تعالى.

آداب الحج:

اختيار الصحبة.

استشارة أهل العلم وسؤالهم.

تعلم أحكام الحج قبل السفر.

الحرص على رفقة فيها عالم أو طالب علم لكي تأدى مناسكك على الصحة.

رد المظالم إلى أهلها.

كتابة الوصية.

التوبة من جميع الذنوب وتجديد العهد مع الله.

الحرص على خلو حجه من القوادح (فمن فرض فيهن الحج فلا …).

الانتهاء عن المعصية في أثناء الحج.

اختيار النفقة الحلال.

هل الأفضل الحج ماشياً أم راكباً؟.

استدل بعض العلماء على أن حج الماشي أفضل من حج الراكب لقول الله تعالى: (وأذن  في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل  فج عميق) والشاهد هو قول الله تعالى: (يأتوك رجالا).

والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكباً أفضل اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فإنه حج راكباً مع كمال قوته عليه الصلاة والسلام.

فضل الحج: ورد في فضل الحج والترغيب فيه أحاديث كثيرة فمن ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور" متفق عليه.

وأيضا من فضائل الحج:

يهدم ماقبله: عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: .. فلما جعل الله الإسلام في  قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه قال: فقبضت يدي، قال: مالك ياعمرو؟ قال: قلت أردت أن أشترط قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ماكان قبله. رواه مسلم.

يعود الحاج كيوم ولدته أمه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" رواه البخاري ومسلم.

أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال ثم جهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال ثم حج  مبرور". رواه البخاري.

الحج أفضل الجهاد: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يارسول الله: نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: "لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور". رواه البخاري.

الحج المبرور جزاؤه الجنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرةإلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرورليس له جزاء إلا الجنة". رواه مسلم.

الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما  ينفى الكير خبث الحديد" وفي روايه:  تابعوا..

فلا ينفى خبثه إلا بتتابع دخوله وتكرره.

ومن فضائل الحج: أن الحجاج والعمار وفد الله إن سألوه أعطاهم وإن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفرلهم، ونفقتهم في سبيل الله وهي مخلوفة عليهم، وهم معانون في أداء النسك، وأخيراً فإن الله يباهي بالحجاج ملائكته في صعيد عرفات ويتجلى لهم ويقول انصرفو مغفوراً لكم.

س: حكم الصلاة في مساجد مكة؟.

ج: مضاعفة مثل الحرم، هذا هو الصحيح.              ابن باز رحمه الله

ثم هذه أحاديث عن الحج من صحيح الجامع الصغير: قال صلى الله عليه وسلم:

- ما من مسلم يلبي  إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا و ههنا.

-أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك سيئه، وأما وقوفك بعرفة فإن الله عزوجل ينـزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادى جاؤني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.

- أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد.

- استمتعوا من هذا البيت فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة.

- إن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححت له جسمه ووسعت عليه في معيشته تمضي عليه خمسة أعوام  لا يفد إليّ لمحروم.

وتأمل (لا يفد إلي) ولم يقل إلى بيتى، فالحج هو الرحله إلى الله.

- إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك.

- ألا أدلك على جهاد لاشوكة فيه؟ حج البيت.

- ثلاثة في ضمان الله عزوجل: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله عز وجل، ورجل خرج غازياً في سبيل الله تعالى، ورجل خرج حاجاً.

- قفوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم.

- ما أهلّ مُهِلّ قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر بالجنة.

- من طاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين كان كعتق رقبة.

- من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة، لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة.

وقال صلى الله عليه وسلم: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.

هل العمرة أيضاً واجبة؟.

أنظر شرح العمدة لشيخ الإسلام 1/88، فقد خلص في شرح العمدة إلى أنها واجبة مع أنه رجح في مجموع الفتاوى بعدم الوجوب.

وتفصيل المسألة أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسالة على قولين:

القول الأول: أن العمرة ليست واجبة وهذا قول أبوحنيفة ومالك، وأدلة أصحاب هذا القول:

- قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قالوا ولم يذكر العمرة ولو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها لما أمر بإتمامها في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) وكما ذكرها لما أمر بالسعي في قوله تعالى: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما).

- ومن أدلتهم: أن الله أمر خليله عليه السلام بدعاء الناس إلى الحج بقوله: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا) إلى قوله: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) والاختصاص بأيام معلومات هو للحج فقط دون العمرة، فعلم أنه لم يأمرهم بالعمرة.

- وأيضا حديث جبريل "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم ..." قالوا ولم يذكر العمرة.

- وأيضا من أدلتهم حديث ضمام بن ثعلبة لما سأله عن فرائض الإسلام - إلى أن قال – "وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق، ثم ولى، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ ولا أنقص منهنّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن صدق ليدخلن الجنة". قالوا: ولو كانت العمرة واجبة لأنكر قوله لا أزيد عليهنّ ولم يضمن له الجنة مع ترك أمر واجب.

- ومن أدلتهم القوية: قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع كان معه من المسلمين ما لا يحصيهم إلا الله وكل قد جاء يؤدي فرض الله تعالى عليه، فلما قضى أيام منى وبات بالمحصب بعد إكمال أعمال الحج وخرج من الغد راجعاً إلى المدينة ولم يعتمر بعد ذلك ولم يأمر من معه بالعمرة ولا بأن يسافروا لها سفرة أخرى، وقد كان فيهم المفرد والقارن وهم لا يرون أنه قد بقي عليهم فريضة أخرى، بل قد سمعوا منه أن الحج لا يجب إلا في العمر مرة وهم قد فعلوه، فلو كانت العمرة واجبة كالحج لبين لهم ذلك أو لأقام ريثما أن يعتمر من لم يكن اعتمر.

- ومن أدلتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج" رواه مسلم والإمام احمد وغيرهما.

قالوا وكل ما يفعله المعتمر فقد دخل في الحج فليس في العمرة شيىء يقتضي إفراده بالإيجاب.

القول الثاني في المسألة: أن العمرة واجبة مرة في العمر وذهب إلى هذا القول الشافعي وأحمد. ويستدل أصحاب هذا القول:

- بما ورد عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال: "حج عن أبيك واعتمر" رواه الخمسة. قالوا ولولا وجوبهما لما أمره بفعلهما عنه.

- وأيضا: عن عائشة رضي الله عنهما قالت: قلت يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال "نعم عليهنّ جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" رواه أحمد وقال الألباني في الإرواء صحيح. قالوا: وكلمة على تقتضي الوجوب.

- ومن أدلتهم حديث جبريل المشهور فقد جاء في بعض رواياته .. يا محمد ما الإسلام؟ فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان). قالوا: وهذه الزيادة وإن لم تكن في أكثر الروايات فإنها ليست مخالفة لها لكن هي مفسرة لما أجمل في بقية الروايات.

- ومن الأدلة قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) فلما قال يوم الحج الأكبر علم أن هناك حجاً أصغر لا يختص بذلك اليوم، وقد ورد في بعض الأحاديث أن الحج الأصغر هو العمرة منها: ما رواه الدارقطني عن ابن عباس قال: "الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة". وأيضاً ما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن: "وأن العمرة الحج الأصغر" رواه الدارقطني. قالوا: فإذا كان الله جل وتعالى قال في كتابه: (ولله على الناس حج البيت) فإن هذا يعم الحجين الأصغر والأكبر.

هذه أدلة الفرقين. والذي انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 26/5 هو القول بعدم الوجوب وقال: "والأظهر أن العمرة ليست واجبة. وقال بأن العمرة ليس فيها جنس من العمل غير جنس الحج فإنها إحرام وطواف وسعي وإحلال وهذا كله موجود في الحج، والحج إنما فرضه الله مرة واحدة ولم يفرضه مرتين". وقال: "بأن العمرة مع الحج كالوضوء مع الغسل، والمغتسل للجنابة يكفيه الغسل ولا يجب عليه الوضوء عند الجمهور فكذلك الحج".

والشيخ ابن عثيمين رحمه الله ذهب إلى وجوبها مرة في العمر فقال حفظه الله في فتاوى الدعوة 2/32: "والعمرة واجبة مرة واحدة في العمر ولا تجب أكثر من ذلك".

قال شيخ الإسلام في حج العبد والصبي:

فإن عتق العبد أو بلغ الصبي وهما محرمان بالحج بعد الوقوف وخروج وقته لم يجزئهما ذلك الحج عن حجة الإسلام لأن الوقوف لا يمكن إعادته وما فعل منه وقع قبل وجوبه فلا يجزىء عن واجب الإسلام وإن عتق وبلغ قبل الوقوف أو في إثناء الوقوف أو بعد إفاضتهما من عرفة فرجعا إليها وأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر ليلة النحر أجزأتهما تلك الحجة عن حجة الإسلام.      شرح العمدة 1/262

العمرة في رمضان: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أن عمرة في رمضان تعدل حجة" وفي بعض روايات الحديث في الصحيح: "حجة معي". ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام عجيب حول هذا الحديث أشار إلى أن قوله: "حجة معي" خاص بالمرأة التي سألته لأنها قد أرادت الحج معه فتعذر ذلك عليها. إلى أن قال رحمه الله: "ولا يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال: أن عمرة الواحد منّا من الميقات أو من مكة تعدل حجة معه، … والواحد منا لو حج الحج المفروض لم يكن كالحج معه، فكيف بعمرة؟ وغاية ما يحصله من الحديث: أن تكون عمرة أحدنا في رمضان من الميقات بمنـزلة حجة … خالص الجمان ص 292

شروط الحج: تكلم العلماء وفصّلوا في شروط الحج، نلخصها في الآتي:

1- الإسلام: وهو شرط صحة. الحج عبادة ولذا فإنها لا تصح من الكافر، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم رتب وجوب التكاليف الشرعية على من أقر بالشهادتين، والكافرلم ينطق بها.

2- العقل: وهو شرط وجوب وشرط صحة. لأن المجنون لو حج لم يصح حجه لأن العقل شرط للتكليف والمجنون ليس مكلفاً فلا يجب عليه الحج ولو حج ثم أفاق وجب عليه أن يحج حجة الإسلام إذا أفاق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاث وذكر منهم والمجنون حتى يفيق وفي رواية: والمعتوه حتى يعقل.

3- البلوغ: وهو شرط وجوب لا شرط صحة. لأن الصبي قبل البلوغ غير مكلف، ولو حج فحجه صحيح لكن لا يكفيه عن حجة الإسلام. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رفعت إمرأة صبياً لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر". رواه مسلم.

4- الحرية: وهوشرط وجوب. فالعبد المملوك لا حج عليه لأنه لا يملك شيئاً ولو حج حال رقه صح حجه تطوعاً وأثم إن لم يأذن له سيده وتجب عليه حجة الإسلام متى عتق.

5- الاستطاعة: وهو شرط وجوب. الاستطاعة شرط لوجوب الحج لقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من  استطاع إليه سبيلا). والاستطاعة منها ما يشترك فيه الرجال والنساء، ومنها ما يخص النساء.

 فما يشترك فيه الرجال والنساء:

- القدرة على الزاد والراحلة.

- صحة البدن. فإن كان عجزاً يرجى زواله كمرض يرجى أن يزول، انتظر حتى يزول ثم يؤدي الحج بنفسه، وإن كان عجزاً لا يرجى زواله كالكبر والمرض المزمن الذي لا يرجى برؤه فإنه ينيب عنه من يقوم بأداء الفريضة عنه لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. قال: "حجي عنه". راوه الجماعه.

- أمن الطريق.

- إمكان السير: بأن  يتوفر وقت كاف للمسير للحج، فإذا كان الوقت غير متسع لم يجب.

ومما يخص النساء: المحرم وألا تكون المرأة معتدة. فإن لم يتيسر للمرأة محرم يسافر معها للحج فلا يجب عليها الحج على الصحيح من أقوال العلماء، والشائع عند العامة أنها إذا كانت برفقة نساء فلا حرج عليها قول غير صحيح. والمحرم لا بد أن يكون بالغاً عاقلاً.

تعريف المحرم: هو كل ذكر تحرم عليه المرأة تحريماً مؤبداً بقرابة أو رضاع أو مصاهرة.

- حج الشغالات بغير محرم: الإثم عليها وعلى من يسمح بذهابها.

وأيضاً المعتدة، لأن الله نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن فقال: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) والحج يمكن أداؤه في وقت آخر غير وقت العدة.

شروط وجوب الحج: وجوب الحج المذكور تشترط له شروط وهي: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والاستطاعة. ولاخلاف في ذلك بين أهل العلم.

- أما العقل: فكونه شرطاً في وجوب كل تكليف واضح. لأن غير العاقل لا يصح تكليفه بحال.

- وأما اشتراط البلوغ فواضح. لأن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يحتلم. فالبلوغ والعقل كلاهما شرط وجوب.

- وأما الإسلام: فالظاهر أنه على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فهو شرط صحة لا شرط وجوب. وعلى أنهم غير مخاطبين بها فهو شرط وجوب. والصحيح أن الكفار مخاطبين بفروع الشريعة. فيكون الإسلام شرط صحة في حقهم وشرط وجوب. لأن بعض شروط الوجوب يكون شرطاً في الصحة أيضاً كالوقت للصلاة فإنه شرط في وجوبها وصحتها أيضاً.

- وأما الحرية: فهي شرط وجوب. فلا يجب الحج على العبد واستدل العلماء على عدم وجوب الحج للعبد بأمرين:

الأول: إجماع أهل العلم على ذلك. ولكنه إذا حج صح حجه ولم يجزأه عن حجة الإسلام فإن عتق بعد ذلك فعليه حجة الإسلام. قال النووي في شرح المهذب: أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج لأن منافعه مستحقة لسيده فليس هو مستطيعاً.

الثاني: حديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدل على ذلك وهو حديث ابن عباس أنه قال: "أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام". حديث صحيح (انظر صحيح الجامع الصغير رقم 2726).

- وأما الاستطاعة فقد نص الله تعالى على اشتراطها في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). واختلف العلماء في تفسير الاستطاعة، فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أن الاستطاعة هي الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية مع الأمن على النفس والمال ولا يشترط الزاد والراحلة بل يجب الحج عنده على القادر على المشي. وذهب الأكثرون من الشافعية والحنابلة وغيرهم على أن الاستطاعة المشترطة: هي الزاد والراحلة. وحجتهم الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتفسير الاستطاعة بالآية بالزاد والراحلة، ومن ذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس وحديث عائشة وحديث جابر وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص وحديث ابن مسعود. وإن كانت هذه الأحاديث لا تخلو من مقال لكن الحاصل أن حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقة عن درجة القبول والاحتجاج. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج.

الاستطاعة عند الحنابلة هو الزاد والراحلة، ومن فقد أحدهما لم يجب عليه. وذهب إلى هذا شيخ الإسلام في شرح العمدة 1/124 ومابعده.

- ويرى العلامة الشنقيطي: أن الاستطاعة في الآية ما يبلغه ذهاباً وإياباً.

- وهناك ما يسمونه المستطيع بغيره وهو نوعان:

الأول: هو من لا يقدر على الحج بنفسه بكونه هرماً ونحو ذلك ولكنه له مال يدفعه إلى من يحج عنه فهل يلزمه الحج نظراً إلى أنه مستطيع  بغيره فيدخل في عموم قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا)؟ أو لا يجب عليه الحج لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه؟.

- قال مالك: لا يجب عليه ذلك ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه لقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ولقوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) وهذا لا يستطيع بنفسه فيصدق عليه اسم غير المستطيع ولأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة وكذلك مع العجز كالصلاة.

- والصحيح: ما ذهب إليه أكثر أهل  العلم كأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المنذر والحسن البصري وغيرهم: أنه يلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه. وذلك لأحاديث كثيرة منها: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت يا رسول الله إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضى عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم.

- أما النوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره: فهو من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له مال يدفعه لمن يحج عنه ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج، والولد مستطيع، فهل يجب الحج على الوالد؟ ويلزمه أمر الولد بالحج عنه لأنه مستطيع بغيره؟.

- فيه خلاف بين أهل العلم فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد أنه لا يجب عليه، وذهب غيرهم إلى وجوب الحج عليه كالشنقيطي رحمه الله تعالى، لأحاديث ظاهرها وجوب الحج.

قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز الاستيجار على الحج (يقصد الذي يأخذ أجره لكي يحج عن غيره بمعنى أنه يأخذ نفقة الحج ويأخذ أجره أيضا) ثم قال .. وإنما كرهت الإجارة لما ذكره أحمد من أن ذلك بدعة لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا على عهد السلف وقد كان فيهم من يحتاج إلى الحج عنه ولم يستأجر أحد أحداً يحج عن الميت، ولو كان ذلك جائزاً حسناً لما أغفلوه ولأن الله تعالى يقول في كتابه (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) والأجير إنما يريد بهذه العبادة حرث الدنيا.. ولأن ذلك أكل للدنيا بالدين.. فإذا كان هذا العامل عنه إنما يعمل للدنيا ولأجل العوض الذي أخذه لم يكن حجه عبادة لله وحده فلا يكون من جنس ما كان على الأول وإنما تقع النيابة المحضة ممن غرضه نفع أخيه المسلم لرحم بينهما أو صداقه أو غير ذلك وله قصد في أن يحج بيت الله فيكون حجه لله فيقام مقام حج المستنيب". شرح العمدة1/240

وقال شيخ الإسلام: "يجب الحج عن الميت والعاجز من حيث وجب عليه ثم إن مات في بلد الوجوب حج عنه من ذلك البلد وإن مات في بلد أبعد عن مكة منه أو هو في جهة بلد الوجوب حج عنه من بلد الوجوب ولم يجب أن يحج عنه من بلد الموت وإن مات ببلد أقرب إلى مكة من بلد الوجوب وجب أن يحج عنه من بلد الوجوب أيضا.. لأن قطع المسافة في الحج أمر مقصود.  شرح العمدة  1/194

إذا مات رجل ولم يحج وكان الحج قد وجب عليه وكان قد ترك مالاً فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من ماله؟.

اختلف العلماء في هذه المسألة: فقال بعضهم يجب أن يحج عنه ويعتمر عنه سواء كان مفرطاً أو غير مفرط لكون الموت عاجله وبهذا قال الشافعي وأحمد.

وذهب آخرون على أنه لا يجب أنه يحج عنه لأنها عبادة بدنية فتسقط بالموت كالصلاة. واحتجوا أيضاً بظاهر القرآن كقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وظاهر القرآن مقدم على ظاهرالحديث بل على صريحها.

أجاب المخالفون بأن الأحاديث مخصصة بعموم القرآن. فالذين قالوا: يجب أن يحج عنه من رأس ماله استدلوا بأحاديث جاءت في ذلك تقتضي أن من مات وقد وجب عليه الحج قبل موته أن يحج عنه منها: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها قال: "نعم حجي عنها، أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته أقضوا الله فالله أحق بالوفاء". فالحج في هذا الحديث وإن كان منذوراً فإيجاب الله له على عباده في كتابه أقوى من إيجابه بالنذر. قال ابن حجر في الفتح: "فإن حج أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور".

أجاب المخالفون لهذا الرأي بأن الحج أعمال بدنية وإن كانت تحتاج إلى مال والأعمال البدنية تسقط بالموت فلا وجوب لعمل بعد الموت، واحتجوا أيضاً بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستئذان كالأمر بعد الحضر فهو للإباحة. ومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإباحة أن الصحابة رضي الله عنهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما اصطادوه بالجوارح واستأذنوه في أكله نزل في ذلك قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكنا عليكم) فصار هذا الأمر بالأكل للإباحة لأنه وارد بعد سؤال واستئذان. ومن السنة حديث مسلم، أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. فإن معنى نعم هنا، صلي فيها، وهذا الأمر بالصلاة فيها للإباحة لأنه بعد الاستئذان.

والأظهر في هذه المسألة والله أعلم مشروعية الحج عن الميت لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته فكانت ديناً عليه، وقضاء دين الله أحق أن يقضى كما صرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

وأما من عاجله الموت قبل التمكن، فمات غير مفرط فالظاهر أنه لا إثم عليه ولا دين لله عليه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

- ويجوز حج الرجل عن المرأة وحج المرأة عن الرجل وعليه عامة العلماء. واشترط العلماء بأن النائب عن غيره في الحج لا بد أن يكون حج عن نفسه حجة الإسلام لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة قال: "من شبرمة قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا.  قال: حج عن نفسك ثم عن شبرمة" حديث صحيح رواه أبوداود.

قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز للمرأة أن تسافر بدون إذن الزوج في حج التطوع وليس للزوج أن يمنعها من حج الفرض، ويستحب لها أن تستأذنه فإن منعها فإنها تخرج بغير اختياره. شرح العمدة 1/285

علمنا أن الحج واجب مرة في العمر، فهل هذا الوجوب على سبيل الفور أو التراخي؟.

اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: أنه على التراخي كالشافعي وأصحابه، وبه قال الأوزاعي والثوري وغيرهم. واستدلوا بذلك بقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) فهذه الآية نزلت سنة ست من الهجرة وكما هو ثابت أنه عليه الصلاة والسلام لم يحج إلا عام عشر، فدل ذلك على أنه على التراخي.

ومن أدلتهم على أنه على التراخي: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أمر المحرمين بالحج أن يفسخوه في عمرة فدل ذلك على جواز تأخير الحج وهو دليل على أنه على التراخي.

ومن أدلتهم أيضا أنه إذا أخر الرجل الحج من سنة إلى أخرى أو إلى سنين ثم فعله فإنه يسمى مؤدياً للحج لا قاضياً له بالإجماع. قالوا ولو حرم تأخيره لكان قضاءً لا أداءً.

ومن أدلتهم أيضاً ما هو مقرر في أصول الشافعية وهو: أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور إنما المقصود منه الامتثال المجرد. فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر.

ومن أدلتهم أيضاً أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي بجامع أن كليهما واجب ليس له وقت معين.

وأما الذين قالوا إنه على الفور: استدلوا بذلك من كتاب الله بآيات يفهم منها ذلك وهي على قسمين:

القسم الأول: فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جلا وعلا والثناء على من فعل ذلك.

القسم الثاني: يدل على توبيبخ من لم يبادر وتخويفه من أن يدركه الموت قبل أن يمتثل.

أما آيات القسم الأول فكقوله تعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) وقوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) فقوله: (سارعوا) وقوله: (سابقوا) فيه الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرة وذلك بالمبادرة إلى امتثال أوامره ولاشك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور لا على التراخي.

وأما القسم الثاني الدال على التخويف من الموت قبل الامتثال: فهو أن الله جلا وعلا أمر خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه وعجائبه فقال تعالى: (قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض) وقوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) وقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت) ثم ذكر في آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر في اقتراب الأجل فقد يقترب أجله ويضيع عليه أجر الامتثال بمعاجلة الموت وذلك في قوله تعالى: (أو لم ينظروا في  ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) ففي الآية دليل واضح على أن الإنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال أمر ربه خشية أن يعاجله الموت قبل ذلك.

المقصود أن الإنسان إذا أمر بشيىء فعليه المبادرة والمسارعة قبل حلول الأجل فإذا كان هذا فيما يخص التفكر في ملكوت الله فكيف بالأمر بالحج.

ومن أدلتهم أيضاً: ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد الحج فليتعجل".

من أدلتهم أيضاً: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم  يحبسه مرض أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً". وقد ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات. قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث له طرق كثيرة منها ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة بلفظ: "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً". وأيضاً ما رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعاً أنه قال: "من ملك زاد وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). وأيضاً ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فتنظر كل من كانت له جدة ولم يحج فيضربواعليه الجزية ماهم بمسلمين ماهم بمسلمين".

فدلت هذه النصوص على أن وجوب الحج على الفور  وأنه لا يجوز التراخي فيه إلا لعذر.

قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: بعد أن ساق الطرق التي ذكرناها. "وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً وبذلك تتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسناً بغيره وهو محتج به عند الجمهور".

قال الشنقيطي: وأظهر القولين عندي أن الحج على الفور لا على التراخي. وأما عن كونه عليه الصلاة والسلام لم يحج إلا سنة عشر فلأن الآية قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه: "أنها نزلت سنة ست عام الحديبية وليس فيها فرضية الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيها وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء". انتهى.

فإن الحج لم يفرض إلا سنة تسع وفي تلك السنة لم يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من الحج لأنهم منعوا من المشركين من الطواف بالبيت.

قال شيخ الإسلام: "فهذا الذي أخر الحج حتى مات إن لم يفعل عنه لحقه وعيد ترك الحج بالكليه، وإن فعل عنه أجزأ عنه نفس الحج وبقي إثم تأخيره وتفريطه فيه وترك فعله".   شرح العمدة 1/191

يتفرع من القول على أن الحج على الفور مسائل:

- الذي يبلغ عليه أن يبادر إلى الحج ولو لم يرض والداه.

- الزوج لا يحل له أن يمنع زوجته من الحج اذا لم تكن حجت.

- الذي يحج على نفقة غيره كالذين يحجون مع الدوائر الحكومية حجهم صحيح.

- المطلقة الرجعية كيف تحج؟. إذا انقضت عدتها صارت أجنبية عنه، تبحث لها عن محرم آخر، وإن لم ينقض عدتها فهي زوجته.

- امرأة حصل بينها وبين زوجها خلاف وهي الآن في بيت أهلها ولم يطلقها كيف تحج؟. إذا كان هو الذي طردها تحج ولا تستأذنه. وإذا كانت هي التي خرجت (ناشز) لا بد لها من الاستئذان.

- العامل اذا لم يرض كفيله هل يحج؟. نعم يحج ولو لم يرض الكفيل ولا قيمة لأذنه.

الإنابة: إما أن يكون عن حيّ مستطيع، فهذا لا يجوز ولا يصح ولا يسقط عنه الفرض، أما النافلة فلا يشرع، والصحيح عدم جوازه.

وإما أن يكون عن حيّ غير مستطيع، فهذا يجوز بل يلزمه الإنابة.

وإما أن يكون عن ميت، والميت لايخلو من حالين:

أن يكون قد حج، فهذا يحج عنه، وهي مسألة إهداء القرب للأموات.

لم يحج، فهذا يحج عنه وجوباً. ولا بد أن يكون النائب قد حج عن نفسه. ولا بد أن يكون النائب بالغاً.

إذا أخطأ النائب في الحج ولزمه دم فيكون من ماله هو وليس من مال الموكل، إلا إذا اتفقا على ذلك.

أجر الحج للذي حج عنه، وما يحصل من عبادات كالدعاء والصلاة والخشوع فللموكل.

إذا دخل شخص في النسك بالنية عن نفسه فلا يجوز تغييرها لشخص آخر.

الحج في الإنابة لا يقع إلا عن شخص واحد.

أحكام المواقيت:

المواقيت: جمع ميقات. يقال وقّت الشيئ إذا حدده. وقد حدد الشرع لعبادة الحج حدين:

أحدهما: زماني. والآخر: مكاني.

بمعنى أن الشرع يقول لك إذا أردت الحج فاعلم أن زمان الحج يبدأ من شهر كذا وينتهي بنهاية كذا، هذه ميقات الزمان. وإذا أردت ميقات المكان فاعلم بأن هذا الموضع إذا أردت النسك فلا يجوز لك أن تتجاوزه إلاّ وأنت محرم.

أول ما يتلبس به الحاج والمعتمر هو: المواقيت وهي التي وقتها الله للحج والعمرة.

المواقيت نوعان:

الميقات الزماني: بالنسبة للحج يبدأ من أول شهر شوال، وهذا قد أجمع عليه العلماء. فقد انعقدت كلمة الأئمة على أنه تبدأ أشهر الحج بمغيب شمس آخر يوم من رمضان وبأول ليلة من شوال، فلو أن إنساناً قال: اللهم لبيك حجاً بعد مغيب شمس آخر يوم من رمضان صحت نيته وأجزأته.

وأما آخر ميقات الحج الزماني فهو العاشرمن ذي الحجة، وقال بعضهم شهر ذو الحجة كاملاً، قال الله تعالى: (الحج أشهر معلومات) وقال تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج).

وأما العمرة فميقاتها الزماني هو كل العام.

الميقات المكاني: هي أماكن معينة وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على المسلم الذي يريد الحج أو العمرة ألا يتعداها إلا وهو محرم تعظيماً من الشرع لحرمة البيت. ومن تعداها كان مخالفاً ومتعدياً تلزمه الكفارة وهي خمسة مواقيت:

1- ذو الحليفه: وهي قرية صغيرة تبعد عن المدينة ستة أوسبعة أميال، وهي مهلّ أهل المدينة وهي أبعد المواقيت ومكانه في وادي العقيق، والحليفة تصغير حلفة والحلفة واحدة الحلفاء شجر معروف وسمي بذلك لكثرة هذه الشجرة فيه. ومشهور عند العوام بأبيار علي لظنهم أن علياً قاتل الجن بها وهوكذب. قال شيخ الإسلام: "العامة تسمي البئر (بئر علي) لظنهم أن علياً قاتل الجن بها وهذا كذب فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة وعلي أرفع قدراً من أن يثبت الجن لقتاله ولا فضيلة لهذا البئر ولا مذمة ولا يستحب أن يرمى بها حجراً ولا غيره". الفتاوي 26/99. وبينه وبين مكة 8 إلى 10 أيام. قرابة أربعمائة وعشرة من الكيلومترات تقريباً.

2- الجحفة: وهي قرية على طريق المدينة خربة قرب رابغ وكان اسمها - مهيعة - فجحف السيل بأهلها فسميت بذلك. وهي المدينة التي دعى النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة أن ينقل الله حمى المدينة إلى الجحفة فانتقلت الحمى إليها - وهي الملاريا - فتلف أهلها ونزح الناس عنها. وصار الناس يحرمون قبلها من رابغ، وهي ميقات ناحية المغرب كأهل الشام ومصر وسائر المغرب وأهل أفريقيا، والسبب في ذلك أن الناس كانوا يقدمون عن طريق البر فيأتون من أعلى العقبة قبل فتح القناة فكانوا ينـزلون بطريق الساحل فيمرون برابغ ولا يمرون بالمدينة. وبينها وبين مكة ثلاثة مراحل أي ثلاثة أيام، وهي ثاني أبعد المواقيت عن مكة، في حدود 200كم.

3- قرن المنازل: وهو اسم جبل وهو بعد قرن الثعالب الذي أفاض فيه النبي صلى الله عليه وسلم حينما طرده أهل الطائف. وهو ميقات أهل نجد مشهور الآن بالسيل الكبير، وهو بين مكة والطائف وتبعد عنه مكة 70 كم.

4- يلملم: قيل أنه اسم لمكان وقيل اسم لجبل في هذا المكان. وهو ميقات أهل اليمن ويسمى الآن بالسعديه على طريق الساحل من الحجاز وبينه وبين مكة مرحلتان أي يومان قرابة 70كم.

5- ذات عرق: مكان بالبادية قرب عقيق الطائف، سمي بذلك لعرق فيه، والعرق هو الجبل ويقولون إنه منتهى جبال تهامة يفصل بين جبال تهامة ونجد، وهو ميقات أهل العراق ومن وراءهم من أهل المشرق كأهل خراسان وغيرهم. وهي مندثرة اليوم ويحرم الحجاج الذين يأتون في السابق على الإبل من الضريبة التي يقال لها اليوم {الخريبات} أما اليوم فالحجاج يأتون بسياراتهم ويمرون إما على ذي الحليفة أو السيل فيحرمون من أحدهما وتبعد عن مكة 70 كم.

وقد نظم هذه المواقيت بعضهم فقال:

عرق العراق ويلملم اليمني                       وذو الحليفة يحرم المدني

والشام جحفة إن مررت بها                       ولأهل نجد قرن فاستبنِ

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم قال: فهنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ لمن كان يريد الحج أوالعمرة فمن كان دونهنّ فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها". رواه البخاري ومسلم.

في هذا الحديث عدد من الفوائد:

1- معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم حيث وقّت هذه المواقيت قبل أن تفتح هذه البلدان، وما فتحت إلا بعد وفاته.

2- تحديد المواقيت بتحديد رسول الله صلى الله  عليه وسلم.

3- رفع الحرج لمن مر عليهنّ من غير أهلهنّ أن يحرم من الميقات الذي يمر به وإن كان غير ميقاته الأصلي.

4- عدم تكليف من كان دون المواقيت من جهة مكة حيث يحرم من مكانه.

5- أهل مكة يحرمون من مكة للحج ومن الحل للعمرة.

ويتضح أيضاً من هذا الحديث أن الناس بالنسبة للميقات المكاني ثلاثة أقسام:

1- أهل الحرم: وهم الذين يقيمون في مكة سواء كانو مكيون من أهلها أو مقيمين فيها من غير أهلها.

2- أهل الحل: وهم الذين يسكنون داخل المواقيت الخمسة أي بين مكة والميقات.

3-الآفاقيون: وهم الذين منازلهم خارج المواقيت.

المواقيت الخمسة المكانية أربعة منها بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف بين العلماء لثبوت ذلك في الصحيحين، وواحد مختلف فيه هل وقته الرسول صلى الله عليه وسلم أم وقته عمر رضي الله عنه؟.

أما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي ذو الحليفة وهو ميقات أهل المدينة والجحفة وهي ميقات أهل الشام وق