logo www.alahmad.com
18-10-1436

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله ...

أما بعد:

أيها المسلمون: إن التاريخ هو عنوان الأمم، ولولا التاريخ لم يصل إلينا خبر ولا أثر، إنه غذاء الأرواح، وخزانة أخبار الناس والرجال، يحتاج إليه الملك والوزير، والقائد البصير، وغيرهم ممن عز أمرُهم.

أما الملك، فيعتبر بما مضى وسقط من الدول، ومن سلف من الأمم، وأما الوزير فيعتبر بفعال من تقدم ممن حاز فضلي السيف والقلم، وأما قائد الجيوش فيطلع به على مكائد الحرب، ومواقف الطعن والضرب.

أيها المسلمون: إن الأمة التي لا تقرأ تاريخها ولا تستفيد منه في حاضرها ومستقبلها لهي أمة مقطوعة منبتة، فالماضي ليس مفتاحاً لفهم الحاضر فحسب، بل هو من أسس إعادة صياغة الحاضر، ومقولة: أن التاريخ يعيد نفسه ليست خطأ من كل الوجوه، وقد استخدم القرآن الكريم قصص الأمم السابقة للتأثير في نفوس الناس، أو للتأثير في نفوس الذين لم تنتكس فطرتهم، قال الله -تعالى-: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ)[هود: 100].

إن سجِلّ التاريخ ما هو إلا المنار الذي ينبئ الملاحين الجدد عن الصخور المهلكة التي قد تكون خافية تحت سطح البحر.

ولو أن المسلمين في هذا العصر استوعبوا دروس الماضي لما أخطأوا في كثير من الأمور.

يقول المؤرخ ابن الأثير -رحمه الله-: "وأنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره فيزداد الإنسان بذلك عقلاً، ويصبح لأن يقتدى به أهلاً".

إليكم بعض عجائب التاريخ فيما يتعلق بأحداث العراق: إن سقوط بغداد على يد هولاكو المغولي فيه شبه كبير فيما حصل في الأيام الماضية على يد هولاكو الأمريكي.

تحرك هولاكو المغولي بجيش كبير نحو العراق.

وهذا ما فعله هولاكو الأمريكي حيث جمع ما يزيد على ثلاثمائة ألف، وأحاطوا بالعراق من كل جانب.

وصل هولاكو المغولي إلى مقربة من العراق، وأقام بها شهراً وجه خلالها رسائل للملوك يطلب منهم معاونته في القضاء على الإسماعيلية، وفي مقابل ذلك تعهد لهم بأن يبقيهم على ولايتهم، ولا يتعرض لهم بسوء، وهددهم بأن امتناعهم عن مساعدته يجرهم إلى الهلاك.

وهولاكو الأمريكي أيضاً نزل بالدول المجاورة للعراق، وأقام بها شهراً، وهو يستعد لخوض الحرب، وطالب كثيراً من دول العالم أن تتحالف معه للقضاء على حزب البعث.

استولى هولاكو المغولي على قلاع الإسماعيلية وأهمها قلعة آلموت الواقعة على بحر قزوين.

ولم يكتف بهذه القلاع، بل طلب من زعيم الإسماعيلية تسليم جميع القلاع في بلاد الشام فاستجاب له، وبعدها رفع الرايات المغولية على كل القلاع الإسماعيلية في الشام.

عندما استولى هولاكو الأمريكي على ميناء أم قصر بعد مقاومة استمرت أكثر من عشرة أيام رفعوا مباشرة الأعلام الأمريكية على الميناء، وعلى المناطق التي استولوا عليها في الجنوب في بداية الأمر.

فرح المسلمون بقضاء هولاكو المغولي على الطائفة الإسماعيلية الباطنية الحاقدة على أهل السنة، على الرغم مما كان ينتظرهم من الخطر المغولي الذي كان أشد من خطر الإسماعيلية.

وأيضاً في هذه الحرب فرح بعض المسلمين بقضاء هولاكو الأمريكي على حزب البعث الباطني الحاقد على أهل السنة على الرغم مما ينتظرهم من الخطر الأمريكي الذي هو أشد من خطر البعث.

بعد القضاء على الإسماعيلية توجه هولاكو المغولي إلى بغداد ودار المراسلات بينه وبين المستعصم بالله فترة من الزمن يطلب منه هولاكو الاستسلام وهو يرفض.

وهنا وبعد القضاء على المقاومة التي كانت في الجنوب توجه هولاكو الأمريكي إلى بغداد وطلب من رئيسها الاستسلام وهو يرفض.

كان هولاكو المغولي يهاب من غزو بغداد، ويخشى أن يقف العالم الإسلامي، وتقف الممالك الإسلامية كلها في وجه الغزو المغولي، وكان يخشى أن يعلن الخليفة العباسي الجهاد في سبيل الله فيخسر هولاكو المعركة، لذا عمد إلى تمزيق الصف الإسلامي من الداخل والاستفادة من المنافقين الذين يوالون المغول.

وأيضاً هولاكو الأمريكي حسب لدخول بغداد في أول الأمر ألف حساب، وكان يخشى من حصول أمور لا يتوقعها إما من داخل العراق، أو من خارجها من مثل دخول الآلاف من المسلمين للعراق لإعلان الجهاد ضد الغزو الصليبي الأمريكي، لذا عمد إلى تمزيق الصف من الداخل والاستفادة من المنافقين الذين يوالون الأمريكان.

ممن لعب دوراً كبيراً في أحداث السقوط الأول نصير الدين الطوسي، وهو مستشار هولاكو المغولي الذي كان ينتمي إلى الإسماعيلية في قلعة آلموت ثمان وعشرين سنة، ثم كشف عن حقيقته وأنه ينتمي إلى الإمامية الإثنا عشرية.

وأيضا الوزير ابن العلقمي، والذي دارت بينه وبين هولاكو مراسلات أدت إلى تخفيف الجيش في بغداد، حتى تمكن من الدخول إليها.

وفي هذه الأحداث الذي يظهر -والله أعلم- أن بغداد سقطت بقرار، سقطت بقرار ممن كانوا يملكون القرار توجيه وتحريك الحرس الجمهوري وغير الجمهوري.

وهو نوع من الخيانة سهل الأمر لهولاكو الأمريكي دخول بغداد في هذه السرعة التي لا يقبلها عقل ولا منطق، فإذا كانت أم قصر والناصرية التي هي أصغر بكثير من حارة من حارات بغداد قاومت بشكل عجيب لأيام فهل يعقل سقوط بغداد والذي يبلغ تعداد سكانها قرابة السبعة ملايين أن تسقط في ساعات.

في يوم الثلاثاء 22 من شهر محرم سنة 656هـ شرع المغول في الهجوم الكاسح على بغداد، وأحاطوا بالمدينة من كل الجهات ونصبوا عليها المنجنيق، وأخذوا يمطرونها بوابل من الحجارة، حتى دكوا الثغرات في السور والأبراج.

وفي يوم الخميس 17 من شهر محرم سنة 1424هـ شرع الأمريكان في الهجوم الكاسح على بغداد، وأمطروا المدينة بوابل من الصواريخ والقنابل حتى دكوا الكثير من المرافق والمستشفيات وبيوت المدنيين ومواقع عسكرية بنيران صديقة.

في يوم الأربعاء الموافق السابع من شهر صفر أعلن هولاكو المغولي الهجوم العام على المدينة من الشرق والغرب، وأمر بردم الخنادق، وهدم الأسوار، فدخلها وخرب المساجد، وهدم القصور، وانتشر السلب والنهب، وأسرفوا في القتل واستمروا على ذلك أربعين يوماً.

وفي نفس التاريخ بالضبط يوم الأربعاء السابع من شهر صفر دخلت القوات الأمريكية بغداد، وعاثت في الأرض الفساد، وأهلكت الحرث والنسل، وأسرفوا في القتل والأسر، وانتشر بعدها السلب والنهب.

بسقوط بغداد على يد هولاكو المغولي انتشر التشيع في المنطقة، وازداد نفوذهم في البلاد، فقد مكن لهم المغول ذلك.

وها نحن ننتظر بعد سقوط بغداد على يد هولاكو الأمريكي لمن تكون السلطة ولأية جهة سيمكن الأمريكان في بلد يكثر فيه الأحزاب والتوجهات والأفكار والمذاهب وخليط عجيب -نسأل الله تعالى أن يلطف بالمسلمين-.

أيها المسلمون: وأمام هذا العرض التاريخي السريع، نعرض بعض الحقائق المهمة:

أولاً: زوال الرايات المزيفة: من حكمة الله -عز وجل- وله الحكمة البالغة أن شتت الله شمل البعث في هذه الحرب، وفرق جمعهم، وأزال دولتهم، ولو بقي البعث لكانت الحرب بين رايات كفرية، البعثية والصليبية، لكن بعد زوال البعث صار الحرب واضحاً، وأنه الآن بين الإسلام والصليبية، وفي هذا خير عظيم وهو وضوح الرايات وتحديد موقف كل من يقف تحت أية راية.

ولا يعني هذا أن أمريكا خير لنا من البعث، فنحن نعلم بأن وجود النظام السابق في العراق خير للعراق وللمسلمين خارج العراق من احتلال الولايات المتحدة لأرض المسلمين.

والإنسان قد يفرح لحدوث أمر ما أو زوال شيء ما والأيام والتاريخ يثبت بعد ذلك أن وجوده كان خيراً له ولعلي أذكركم بمثال سابق في التاريخ: كم فرحنا نحن المسلمين جميعاً عند سقوط الاتحاد السوفيتي، واندحار الشيوعية وهلاك الدب الأحمر، لكن ألا تتصورون لو كان الاتحاد السوفيتي موجوداً وبنفس قوته الذي كان يمثل القوة الثانية الضاربة في العالم، فإن أمريكا كانت ستقدم رجلاً وتؤخر عشرين رجل لدخولها العراق، وربما كان في صالحنا الآن وجود السوفيت لكي لا تتوحد أمريكا في شؤون العالم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الحقيقة الثانية: جبن الأمريكان وأن قتالهم وحربهم إنما هو حرب طائرات، وإلقاء القنابل من بعد، والتاريخ قد أثبت بأنهم لم ولن يدخلوا أي بلد دخولاً برياً إلا بالتنسيق مع المنافقين في تلك الدولة، والتاريخ القديم والحديث شاهد على ذلك ففي حربهم مع الأفغان كان حرب طائرات ومن مسافات شاهقة جداً ولم ينـزلوا إلى الأرض إلا بعد التنسيق مع المنافقين في الشمال.

وفشلت أمريكا فشلاً ذريعاً في كل من كوبا والصومال وانسحبوا ولم يحققوا ما أرادوا والسبب هو أنهم لم يجدوا منافقين في الداخل يخدمونهم، وفي العراق أصابع النفاق أصبحت واضحة لكل من كان يتابع الأحداث أنهم وراء ما حصل في بغداد وغيرها من المدن العراقية والتاريخ لن يخفي شيئاً، وسيأتي اليوم الذي تنكشف فيه الأوراق.

لكن نخرج من هذه النقطة بأن القضاء على الوجود الأمريكي في العراق أو في غيره من الأماكن، يستلزم القضاء على المنافقين في الداخل أولاً.

الحقيقة الثالثة: الحرب لم تنته: إن صراعنا مع الصليبية صراع طويل، وهذه الحرب ليست هي نهاية المطاف، ولا يعني دخولهم العراق واحتلالهم لبغداد نهاية الإسلام في أرض الرافدين، وإنما هي جولة وستعقبها جولات وجولات، وحتى بالنسبة لاحتلال أمريكا للعراق، فإن المؤشرات القريبة والبعيدة تشير إلى أن أمريكا لن يستقر لها قدم في العراق، والزمن سيثبت هذا.

صحيح أن جزءاً كبيراً من الشعب العراقي كان يكره النظام السابق، لكنهم جميعاً يكرهون أمريكا أكثر، كيف ينسى العراقيون عشر السنوات العجاف التي مرت عليهم، وقد ذاقوا فيها الجوع والفقر والمرض بسبب الحصار التي ضربتها أمريكا على بلادهم، بحجة تأديب النظام الذي ما شعر بالحصار، فقد كان ينعم كأغنى دولة في العالم، والذي دفع الثمن هو الشعب.

كيف ينسى العراقيون موت مليوني طفل بسبب منع أمريكا دخول الدواء والغذاء إلى بلادهم؟

فأمريكا لن تستقر في العراق، ومن تاريخ الدنيا أن الظالم لن يستمر ولن يستقر في أرض بقي أهله يدافعون عن حقهم، حتى ولو كانوا كفاراً، فكيف بهذه الأمة؟

وربما أن الأمريكان لا يعرفون بأننا أمة لا تنسى هزائمها، وهذه من الخصائص العجيبة لهذه الأمة، وهو أننا لا ننسى هزائمنا، فمعظم شعوب الأرض يمكن أن ينسوا الخلافات بينهم بعد حروب طاحنة أكلت أخضرهم ويابسهم، ويعشوا سوياً وكأن لم يحدث شيء، وقد رأينا بعض الشواهد على ذلك.

فالألمانيتين توحدوا في دولة واحدة بعد خلافات استمرت سنوات عديدة، بل أوربا كلها حصل بينهم توحد بعد خلافات وحروب وكوارث، وتناسوا ذلك كله ويتوقع أنهم يمثلون في المستقبل قوة في العالم، وهناك أمثلة غيرها.

أما هذه الأمة، فهي أمة لا تنسى هزائمها، فنحن إلى الآن لم ننس الأندلس ولن ننساها حتى نستردها، وما زلنا نذكر الأيام الخالدة والحضارة الراقية التي شيدها المسلمون هناك في بلاد الأندلس، ومعظم المسلمون تحنو قلوبهم لبلاد الأندلس وهم لم يروها ولم يعيشوا على أرضها، ولم ينفسوا من هوائها، بل لماذا نذهب بعيداً، فهذه فلسطين وقد احتلها اليهود منذ أكثر من خمسين سنة هل نسيناها؟ وهل يمكن أن ننساها؟

بل كل يوم يزداد شوقنا لها، وكل سنة تزداد المقاومة، وكلما زاد اليهود بطشاً وقتلاً وتخريباً، كلما زاد ذلك من حرارة الانتفاضة، فنحن أمة لا تعترف بالهزيمة أبداً، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك ما معنا من رصيد ضخم من النصوص القرآنية، والبشائر النبوية، وشواهد التاريخ بأن المستقبل لهذا الدين، وأن النصر لهذه الأمة، وأن المحق والكسر يكون لليهودية والنصرانية.

فمن الخطأ أن نفترض بأن جميع الخيوط بأيدي الأمريكان أو بأيدي غيرهم من قوى الأرض.

قد يقول قائل: لكن المشاهد والواقع الحالي بأن هناك خيوطاً كثيرة وقوية، بل حبالاً غليظة سميكة بأيدي الغرب عموماً وأمريكا، خصوصاً يتمكنون من خلالها فرض هيمنتهم على مناطق كثيرة من العالم، والتحكم في معظم، بل كل دول العالم؟

فنقول: هذا الكلام قد يكون فيه كثير من الصحة، لكن نحن بأيدينا أعظم حبل إن تمسكنا به، إنه حبل الله -تعالى-: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ)[آل عمران: 103].

خذ هذا المثال: الشعب الفلسطيني: كيف استطاع هذا الشعب الأعزل المحاصر، وقد حاولت أمريكا أن تقطع عنه كل الحبال أن يقاوم دولة تملك السلاح النووي؟

الجواب في كلمة واحدة: إنه حبل الله.

اركض برجلك يا هذا ولا تَهَبِ *** وانثر بها النقع في أجفان مغتصبِ

واعقِل بقلبك أن الحق منتصرٌ *** وأن طالبَ ربِ العرش لم يخِبِ

تقول نفسي لنفسي وهي خائفةٌ *** ألم تري أن هذا اللـيث لم يَثِبِ

وتشتكي الكمَد المغليَّ في دمها *** عن حال أمتها معقورة الرُّكبِ

يمتصُّ خيراتها البرغوثُ في وضحٍ *** كالشمسِ طاهرةً من غمرةِ السحبِ

ويشتم الدِّين ما للدين من رجلٍ *** يَعُدُّ إذلاله من أفضل القُرَبِ

يا ويل من أقسم العبد الفقير لهُ *** ولم يراوغ له باللهو واللعبِ

والله لن ينعم الكفَّار في بلدٍ *** حتى نعايشه أمناً بلا رِيَبِ

ولن تزال بظهر الأرض طائفةٌ *** يزلزلون عروش البغي باللهبِ

أيحسبُ العلج تيْهاً أنَّنا نفرٌ *** نقيم في الضَّيم كالأوتاد للطنُبِ

والله إن الفتى فينا لمرخيَةٌ *** عيناه دمعاً ينادي كاشفَ الكربِ

ويحمل الروح فوق الكفّ يوم ترى *** قرينَه في ظلال العيش والرَّغبِ

يسعى إلى الموت سعيَ الليل في غسَقٍ *** يغشى النهار حثيث السعي والطلبِ

إنا لمن أمةٍ دان العدوّ لها *** لمَّا ارتدت حلَّةً مفتولة السَّبَبِ

تضمُّ كلَّ بنيها بالجناح معاً *** وترقَعُ الخرقَ لا تُغضي لذي حسَبِ

ونقشُ حلَّتها يا قوم لا تهنوا *** أو تحزنوا ما دَجى ليلٌ على يَبَبِ

إن أرجفت صُحُف التضليل في سفهٍ *** فالسيف أصدق إنباءً من الكُتُبِ

بارك الله لي ولكم ...

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه ...

أما بعد:

أيها المسلمون: بالتأمل في سنن الله -تعالى- يتبين لنا أن أمريكا ينتظرها عقاباً إلهياً مدمراً يمزقها تمزيقاً.

فما بلغت أمة في الطغيان والجبروت والكذب والإفساد في الأرض والصدِّ عن سبيل الله، ومعاداة أولياء الله ومطاردتهم وتعذيبهم بأشدِّ الأسلحة فتكاً وتدميراً، ما بلغته أمريكا.

ومن سنن الله: إهلاك الأمة إذا بلغت ذلك، إليكم عرضاً موجزاً لأسباب الهلاك التي يمكن أن نستقرأها من حال هذه الدولة الكافرة:

أولاً: الكفر والصد عن سبيل الله، ومطاردةُ المجاهدين والدعاة والمصلحين، والمؤسسات الخيرية والتضييق عليهم بالأساليب غير المباشرة سابقاً عن طريق عملائها، أو بالأساليب المباشرة، والآن بعناصر مخابراتها دون حياء أو خجل، وفي الحديث: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب".

فكيف وهي تعادي كل أولياء الله؟ بل وتعادي الربَّ –سبحانه- استكباراً وعناداً؟

قال الله -تعالى-: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)[آل عمران: 196-197].

وقال تعالى: (وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)[يوسف: 110].

ثانياً: التأله: فقد ادعت أمريكا لنفسها من القدرات ما لا يليق إطلاقه إلا على الله -تعالى-، فهي تتعامل مع الدول الأخرى، ولسانُ حالها يقول: "أنا ربكم الأعلى". "أنا أفعل ما أشاء". "من أردتُ بقاءه أبقيته ومن أردت إهلاكه أهلكته".

وكأنها هي المتصرفة في تدبير شؤون الكون.

ولذلك قال فرعونها في خطابه لرئيس باكستان أمامك خياران: إما أن تدخل في حلف الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وإما أن نعيد باكستان إلى العصر الحجري.

ولهذا فهي تنتظر ما حل بفرعون وقومه: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)[الأعراف: 137].

ثالثاً: الظلم: لا يختلف اثنان على الحجم الهائل للظلم الذي أوقعته أمريكا على الدول والشعوب والأفراد، فهي رائدة الظلم على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، فقد نهبت ثروات الأمم والشعوب، وتسلطت على المنظمات الدولية ذات الطابع الدبلوماسي والاقتصادي كهيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن والبنك الدولي، ومن يخرج عن رأيها ترهبه بالقوة العسكرية وبالتجويع، فهي الدولة الوحيدة التي استخدمت أشد الأسلحة فتكاً، وهي الرائدة في تصنيع وتصدير الأسلحة الكيميائية والجرثومية، وهكذا وُلِدت مع الظلم حيث مارس المستعمرون الأوائل حرب إبادة على السكان الأصليين من الهنود الحمر، واستمر مسلسلها الإجرامي الدامي في فيتنام والصومال وأفغانستان وغيرها، والآن على المسلمين في العراق.

فقد ذكر أحد العسكريين الروس أن حجم ما صُبَّ على العراق من القنابل والصواريخ في الخمسة الأيام الأولى يعادل أربعة أضعاف حجم القنبلة التي ضَربت اليابان.

أطنان من القنابل دون تمييز أو رحمة، وبشكل مستمر ترعب به النساء والشيوخ والأطفال، فلا أمن ولا نوم ولا أمان، فويل لها من الرحمن، ثم ويل لها من الرحمن.

انظر إلى مطاردتها للدعاة والمجاهدين في فلسطين وكشمير والفلبين وأفغانستان والشيشان، وفي كل مكان ترفع فيه راية الجهاد، شتت شملهم، وأرملت نساءهم، ويتمت أطفالهم، كل ذلك ضدَّ الشعوب الإسلامية بغية القضاء على دينها، وامتصاص ثرواتها، والهيمنة على ممتلكاتها، واستثماراتها والسيطرة على أراضيها، فقد احتلت البر والبحر والجو.

إنه ظلم عالمي تقوده أمريكا لم يشهد له العالم مثيلاً على مرِّ قرونِه، وتعاقب دهوره، فهل بدأت نهايتها؟ كما قال سبحانه: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)[القصص: 59].

قال الله -تعالى-: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ)[الأنبياء: 11].

وقال تعالى: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ)[الحـج: 45].

رابعاً: البطر: وهو كفر النعمة ويكون بأحدِ أمرين: إما بجحد المنعم بها، وإما بعدم شكره واستخدامِها في غير ما خلقت لأجله؛ كصناعة الخمر، وكالمتاجرة بالجنس، وتصنيع أسلحة الدمار الشامل، وذلك لإخضاع الأمم ظلماً وعدواناً وبطراً، وغير ذلك.

والمتأمل لأسلوب ومنهج حياة الأمريكيين، يرى أن جميع هذه الطامات موجودة فيهم كل بحسبه، فهي الرائدة في جميع أنواع الكفر والفساد بدءاً من أفلام الجنس والخلاعة والرعب، ونهايةً بالتباهي بالقوة وأسلحة الدمار الشامل، ولسان حالهم يقول: إنهم هم القوة العظمى، فهي تجول في البحار والأجواء والبراري بحاملات الطائرات والمدمرات والصواريخ، شرقاً وغرباً، وهذا هو البطر بعينه، والذي هو من أسباب إهلاك الله للأمم، قال الله -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ)[القصص: 58].

خامساً: الاستكبار والغرور: إن الحرب العالمية الثالثة تقودها أمريكا الآن، وتسميها حرباً على الإرهاب، وهي حرب على الإسلام، وهذا من أعظم الاستكبار في الأرض فمن يحارب دين الله وأولياءه، فقد استكبر وعتا عتواً كبيراً، لقد كانت في عتوها واستكبارها تستعرض قوتَها الهائلة في أفغانستان، ذلك البلد الفقير الممزق، فهل كان يحتاج كل هذا الطغيان وحجم القنابل بكل أنواعها دون رحمة ببني الإنسان؟ وها هي اليوم تعود لتصب جام غضبها على المسلمين في العراق ذلك البلد المحاصر لعشر سنوات، فما ذنب شعب العراق -فحسبنا الله ونعم الوكيل-، قال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا)[النساء: 173].

أيها المسلمون: هذه بعض أسباب هلاكهم، ولعله قريباً -إن شاء الله-، وما ذلك على الله بعزيز، فقد أهلك الله أمماً بذنب واحد، فكيف إذا اجتمعت هذه الأسباب في أمة واحدة؟

إنه والله الهلاك الأكيد، ولكنكم تستعجلون.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.

اللهم أعز الإسلام، وانصر المسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، والكفرة الملحدين واحم حوزة الدين.

اللهم منـزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم إن النصارى واليهود عموماً، وأمريكا خصوصاً قد طغوا وبغوا وأسرفوا وأفسدوا واعتدوا، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وألق الرعب في قلوبهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، وعبرة للمعتبرين.

اللهم لا تدع لهم طائرة في الجو إلا أسقطتها، ولا بارجة في البحر إلا أغرقتها، ولا دبابة في الأرض إلا دمرتها.

اللهم خالف بين قلوب هذا التحالف، واجعل بأسهم بينهم، وشتت أمرهم، واجعلهم يقتل بعضهم بعضاً.

اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.

اللهم عليك بهم وبمن شايعهم وعاونهم وحماهم، يا أكرم الأكرمين.

اللهم احقن دماء المسلمين، وصن أعراضهم، واحفظ أموالهم وديارهم، من كل معتد ظلوم يا رب العالمين.

اللهم احقن دماء المسلمين في العراق وفلسطين، والشيشان وأفغانستان والفلبين وكشمير، وفي كل مكان يا رب العالمين.

ربنا إنك آتيت أمريكا وحلفائها زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

اللهم دمر دولهم، وأهلك أممهم، واكسر صليبهم، وأهلك خضراءهم، وأرنا فيهم ما أريت موسى وهارون في فرعون وقارون وهامان.

اللهم أرسل عليهم الرياح العاتية، والأعاصير الفتاكة، والقوارع المدمرة، والأمراض المتنوعة، اللهم أشغلهم بأنفسهم عن المؤمنين.

اللهم لا تجعل لهم على مؤمن يدا، ولا على المؤمنين سبيلا.

اللهم أتبعهم بأصحاب الفيل، واجعل كيدهم في تضليل، اللهم أرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل.

اللهم خذهم بالصيحة، وأرسل عليهم حاصبا، اللهم صب عليهم العذاب صبا، اللهم اخسف بهم الأرض، وأنزل عليهم كسفاً من السماء.

اللهم اقلب عليهم البحر نارا، والجو شهباً وإعصاراً.

اللهم أرنا في فرعون أمريكا يوماً أسوداً كيوم أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف، إنك بالإجابة جدير، وعلى ذلك قدير.

اللهم أرنا مصارع قادة النصارى، اللهم عليك بقادتهم وطواغيتهم يا رب العالمين.

اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والزيغ والشر والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد والبلاد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.

اللهم ابعث في قلوب أبناء المسلمين حب الجهاد، وهيئ لهم أسبابه ليغزو في سبيلك ويضربوا أعناق النصارى، ويطؤون أراضيهم بعز الإسلام والمسلمين.

اللهم إن بالمسلمين من الجهد والضنك والضيق والظلم ما لا نشكوه إلا إليك.

لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، اللهم كن لإخواننا المستضعفين في العراق، اللهم ارفع الظلم عنهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم ارفع بهم راية الجهاد، واقمع بهم أهل الزيغ والإلحاد، اللهم احفظ دينهم وأعراضهم وأموالهم وأمنهم وبلادهم، اللهم قوي قلوبهم، وثبت أقدامهم، واربط جأشهم، اللهم فقهم في الدين، وانصر بهم الحق واليقين.

اللهم يا مخرج يونس من بطن الحوت، ويوسف من غيابة الجب، وبني اسرائيل من فرعون وجنده، يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين، اللهم يا قوي يا عزيز يا جبار السماوات والأرض وعظيمهما، اللهم يا من ليس فوق قدرته قادر، وليس فوق مشيئته مشيئة، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما يريد، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، اللهم يا مجيب المضطر، ويا كاشف الضر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا واحد يا أحد يا صمد، اللهم عليك بأمريكا، اللهم عليك بأمريكا، اللهم عليك بأمريكا، اللهم أهلك طاغية أمريكا، اللهم أهلك طاغية أمريكا، اللهم أهلك طاغية أمريكا، ووزير دفاعه وخارجيته وأعوانه وجنده، اللهم سلط عليهم المحن والكوارث والآفات، اللهم اطفئ النار التي يوقدون، وأبطل كيد ما يدبرون.

اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم أصبهم بالآكلة في عقولهم، اللهم أشغلهم في أنفسهم، واجعل كيدهم في نحورهم، اللهم اجعل دائرة السوء عليهم، اللهم اجعل ما يقومون به حسرة عليهم وندامة وذلاً إلى يوم الدين.

اللهم سلط عليهم ريحاً كريح عاد، وطاغية كطاغية ثمود، اللهم أرنا فيهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين الكافرين المفسدين.

اللهم انزل بهم شديد عذابك، اللهم أرنا فيهم عظيم سخطك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم قوة جبروتك، اللهم إنا نسألك كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك أن تجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، والتذبذب في صفوفهم، وزلزل أقدامهم، اللهم سلط عليهم جنداً من جندك الذي لا يغلب يا قوي يا عزيز.

اللهم ما دعوناك في هذه الساعة فأجبنا، وما لم ندعك فأنت أعلم بحاجاتنا في صدورنا.

اللهم صل على محمد ...