logo www.alahmad.com
15-10-1436

نظرات تاريخية

إن الحمد لله ..

أما بعد : لقد كان للتاريخ أهميته ومنـزلته عند المتقدمين من العلماء حيث قام به أمثال ابن جرير الطبري والبخاري وابن الأثير والذهبي ، وكتب السخاوي كتابه الفذ : الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ .

التاريخ هو عنوان الأمم ، ويعد من المهمات العظام ، مقبول عند الأنام مشتمل على فكر وعبر ، ومنطو على مصالح ومحاسن على وجه معتبر ولولاه لم يصل الينا لاخبر ولا أثر ، وهو غذاء الأرواح ، خزانة أخبار الناس والرجال ، معدن العجائب والغرائب ، ومستودع الروايات والامثال ، زين الأديب ، وعمدة اللبيب ، عون المحدث وذخر الاديب ، يحتاج اليه الملك والوزير والقائد البصير ، وغيرهم ممن عز أمرهم . أما الملك فيعتبر بما مضى من الدول ، ومن سلف من الأمم ، وأما الوزير فيعتبر بفعال من تقدم ممن حاز فضلي السيف و القلم ، وأما قائد الجيوش فيطلع به على مكائد الحرب ، ومواقف الطعن والضرب ، وأما غيرهم فيستمعونه على سبيل المسامرة ، فيحصل لهم بذلك إلى أنواع الخيرات والاجتناب من المنكرات المبادرة . ولو لم يكن من شرف هذا الفن الا أن البخاري رحمه الله صنف تاريخه في المدينة النبوية عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يكتبه في الليالي المقمرة وسوى بينه وبين صحيحه حيث حول تراجمه بين القبر النبوي والمنبر الشريف وكان يصلي لكل ترجمة ركعتينواستواؤهما ظاهر فإنه لا يتوصل للحكم على الحديث الا به .

إن الأمة التي لا تقرأ تاريخها ولا تستفيد منه في حاضرها ومستقبلها لهي أمة مقطوعة منبتة ، فالماضي ليس مفتاحاً لفهم الحاضر فحسب ، بل هو من أسس إعادة صياغة الحاضر ، ومقولة أن التاريخ يعيد نفسه ليست خطأ من كل الوجوه ، وقد استخدم القرآن الكريم قصص الأمم السابقة للتأثير في نفوس الناس ، أو للتأثير في نفوس الذين لم تنتكس فطرتهم ، قال تعالى : ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد ) .

إن سجِلّ التاريخ ما هو إلا المنار الذي ينبئ الملاحين الجدد عن الصخور المهلكة التي قد تكون خافية تحت سطح البحر . ولو أن المسلمين في هذا العصر استوعبوا دروس الماضي لما أخطأوا في كثير من الأمور . يقول المؤرخ ابن الأثير : ( وأنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره فيزداد الإنسان بذلك عقلاً ويصبح لأن يقتدى به أهلاً ) .

ان في التواريخ وذكر السير راحة القلب وجلاء الهم وتنبيه للعقل ، فانه ان ذكرت عجائب المخلوقات دلت على عظمة الصانع ، وان شرحت سيرة حازم علمت حسن التدبير ، وان قصصت قصة مفرط خوفت من إهمال الحزم ، وان وصفت أحوال ظريف أوجبت التعجب من الاقدار والتنـزه فيما يشبه الاسمار .

عرّف المقريزي التاريخ فقال : هو الاخبار عما حدث في العالم في الزمان الماضي . وعرّفه السخاوي بقوله : التاريخ هو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتجريح وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة من ظهور ملمة وتجديد فرض وخليفة ووزير وغزوة وملحمة وحرب وفتح بلد وانتزاعه من متغلب عليه وانتقال دولة وربما يتوسع فيه لبدئ الخلق وقصص الأنبياء وغير ذلك من أمور الأمم الماضية وأحوال القيامة ومقدماتها . والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت بل عما كان في العالم .

وبعد هذه المقدمة فلعلي أقف معك في هذه المحاضرة ستة وقفات بحول الله وقوته ، وذلك بعد توفيقه وإعانته ، على الترتيب التالي :-

أولاً : فوائد وثمرات دراسة التاريخ .

ثانياً : صراع تاريخي .

ثالثاً : مصطلحات الغرب والتاريخ الإسلامي .

رابعاً : تفسير التاريخ من خلال السنن الربانية .

خامساً : ماذا سيكتب التاريخ ؟ .

سادساً : كيف دخل العرب التاريخ ؟ .

نبدأ على بركة الله :

أولاً : فوائد وثمرات دراسة التاريخ :

إن فوائد وثمرات دراسة التاريخ والقراءة في كتب المؤرخين الموثوقين كثيرة جداً فمن ذلك : معرفة السنن الربانية قال الله تعالى " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين " .

التاريخ يحوي من الحوادث المتشابة والمواقف المتماثلة ما يساعد على كشف هذه السنن التي هي غاية في الدقة والعدل والثبات . قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله : " ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الإعتبار بها ، لأن الإعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره كالأمثال المضروبة في القرآن " . انتهى ..

فمن خلال دراسة التاريخ يعلم الإنسان أن الحاضر الذي يعيشه إذا كان فيه ما يتصور أنه مخالف لسنة الله الشرعية ، غير مستثنى من السنة الربانية بل هو جزء منها ، ولكن للسنة الربانية أجل ووقت محدد ، فمن السنن الربانية مما له علاقة بتاريخ الأمم والدول والشعوب وعلى سبيل المثال :-

- سوء عاقبة المكذبين : الذين يكذبون بآيات الله ورسله ويظلمون ويعيثون في الأرض فساداً هؤلاء وعدهم الله بسوء العاقبة ، وهذه سنة ربانية ثابته قال الله تعالى : ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً ، وعاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً ، وكلاً ضربنا له الأمثال وكلاً تبرنا تتبيرا ) .

- ومن السنن : أن البشر يتحملون مسؤوليتهم في اتباع الخير أو الشر ، فإما أن يرتقوا وإما أن ينحطّوا وقد منحهم الله الحرية والاختيار . " ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " قال الله تعالى " وقلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .

- ومن السنن : مداولة الأيام بين الناس ، من شدة إلى رخاء ومن رخاء إلى شدة ، " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين " .

- ومن السنن الثابته : أن زوال الأمم يكون بالترف والفساد " ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذي الأوتاد ، الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربك صوت عذاب ، إن ربك لبالمرصاد " وقال تعالى " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تتدميرا " .

- ومن السنن : أن هلاك الأمم يكون بفشو الظلم وعدم إقامة العدل قال الله تعالى : " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين " .

- ومن السنن : أن انهيار وزوال الأمم يكون بأجل ، بمعنى لو فعلت أمة نفس ما فعلت أمة أخرى زالت وهلكت بسبب فعلها والسبب في تأخر عقوبة الأول هو أنه لم يأت أجلها بعد " ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون " قال الله تعالى " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً " .

- ومن السنن : استحقاق المؤمنين لنصر الله " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " قال الله تعالى " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون " وقال سبحانه " ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " .

هذه بعض سنن الله في تاريخ الأمم وللمتأمل في كتاب الله سيتعرف على غيرها ..

ومن فوائد النظر ودراسة التاريخ وثمراته : أن التاريخ أصبح أحد الأسلحة التي تستخدم في مجال التوجيه وصياغة الأفكار ونشر المبادئ وتأييدها ، كما أنه أصبح يأخذ دوره في الصراع العقائدي بين الأمم ، ومن هنا كان لابد على أبناء الأمة عموماً وشباب الصحوة خصوصاً العناية بالتاريخ والنظر في التراجم والسير . هناك غفلة لدى كثير من المسلمين عن أعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر ويحيكون لهم المؤامرات وينتظرون الفرصة للقضاء عليهم . أين المسلمون عن التاريخ ؟ مثلاً يوالي كثير من المسلمين اليوم النصارى حتى وصل الأمر إلى إرسال برقيات التهاني والتعازي وغيرها ، أين هم عن تاريخ النصارى ؟ وقل مثله في اليهود ! فإن حصل ميل أو ركون للنصارى أو لليهود كان ذلك دليل على عدم الاستفادة من التاريخ وعدم دراسة واعية له .

وأيضاً من فوائد دراسة التاريخ : الصبر على المشاق والتصبر على ما يصيب المرء أثناء قيامه بواجبه في الحياة . إذا نظر الواحد منا في سير العلماء والدعاة والمصلحين وما نالهم من الأذى والعذاب في سبيل الله رضى بما أصابه ، وزاده ذلك ثباتاً على الحق ، فلا يسأم ولا يستسلم ولا يتنازل عن شيء ، لأنه عرف من خلال التاريخ أنه ليس لوحده " قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود " . وفي حديث خباب عندما جاء شاكياً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يصيبهم من أذى المشركين ، ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار فوق رأسه فيشق بإثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون " .

ومن الفوائد ما قاله السخاوي رحمه الله : أن فيه من أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم وسنتهم ، فهو مع أخبار العلماء ومذاهبهم ، والحكماء وكلامهم ، والزهاد والنساك ومواعظهم ، عظيم الغناء ، ظاهر المنفعة فيما يصلح الانسان به أمر معاده ودينه وسريرته في اعتقاداته وسيرته في أمور الدين وما يصلح به أمر معاملاته ومعاشه الدنيوي . وكذا ما يذكر فيه من أخبار الملوك وسياساتهم ، وأسباب مبدئ الدول وإقبالها ، ثم سبب انقراضها ، وتدبير أصحاب الجيوش والوزراء وما يتصل بذلك من الأحوال التي يتكرر مثلها وأشباهها أبداً في العالم ، غزير النفع ، كثير الفائدة بحيث يكون من عرفه كمن عاش الدهر كله ، وجرّب الأمور بأسرها ، وباشر تلك الأحوال بنفسه ، فيغزر عقله ويصير مجرباً .

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه – طريق الهجرتين – وهو يتكلم عن ثمرات دراسة التاريخ ، قال : وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لااله الا هو أولاً من وصف حالهم وعدم الاتصاف به ، بل ما شممنا له رائحة ولكن محبة القوم تحمل على تعرّف منـزلتهم والعلم بها وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة : منها أن يزال المتخلف المسكين مزرياً على نفسه ذاماً لها . ومنها أن يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى ذليلاً له حقيراً يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين ، ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة المحرومين . ومنها أنه عساه أن تنهض همته يوماً إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد . ومنها أن هذا العلم هو من أشرف علوم العباد ، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه ، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة ، فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس بأقله فليبشر بالخير فقد أُهِّل له ، فليقل لنفسه : يا نفس فقد حصل لك شطر السعادة فاحرصي على الشطر الآخر ، فإن السعادة في العلم بهذا الشأن والعمل به ، فقد قطعتِ نصف المسافة فهلا تقطعين باقيها فتفوزين فوزاً عظيماً . انتهى ..

ثانياً : صراع تاريخي :

إن الصراع بين المسلمين والكفار دائم ومستمر ، وقد جرب عدونا سلاح القوة مراراً ، فما أجدى له نفعاً ، مما جعل قادتهم يفكرون في وسيلة أخرى وميدان آخر للصراع ، ولقد أدركوا أن السر في صلابة المسلمين وتفوقهم هو في إسلامهم ، ولذا حوّلوا ميدان الصراع من حرب المسلمين ذاتهم ، إلى حرب العقيد الإسلامية ، وبهذا تغيرت ملامح المعركة فلم يعد ميدانها الرئيسي الأرض ، ولكنه الأدمغة والعقول ، ولم تعد وسيلتها السيف ، بل الفكر ، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق العسكرية ، ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى ، والتاريخ أحد المجالات التي دخل هذا الصراع . ولقد تعرض التاريخ الإسلامي لأكبر قدر من الغزو الفكري وركز الأعداء على تشويه تاريخ الأمة الإسلامية ، ذلك أن التاريخ بالنسبة لأية أمة هو مجال اعتزازها وموطن القدوة فيها . فإذا كان تاريخ الأمة حافلاً بالأمجاد ، كما هو واقع تاريخ المسلمين ، فإنه بلا شك سيكون باعثاً لهم على النهوض والتمسك بالمبادئ والآداب والقيم التي جعلت الأجداد يحوزون هذا المجد والفخار ، ويصلون إلى هذا المستوى الراقي في بناء الأمة والحضارة . والتاريخ الإسلامي هو الذي يسجل هذه الصور السامقة ويوضح دور الأمة وأثرها وفضلها على البشرية ، ولذلك لا نستغرب إذا ركز الأعداء في غزوهم الفكري على التاريخ الإسلامي حتى ناله كثير من التشويه والتحريف والتجهيل والتزييف والتفسير الخاطئ لأحداثه ومزاحمته بتواريخ الأمم الجاهلية حتى يبدو حلقة صغيرة أو كماً مهملاً في تاريخ البشرية . ولقد قام على تشويه التاريخ الإسلامي في العصر الحديث جيش بل جيوش من الاستشراق والتنصير ودوائر البحث ومكاتب المخابرات في الدول الغربية ، واستطاعوا أن يجندوا مجموعة من ضعاف النفوس والمغرورين والجهلة وضحايا الغزو الفكري في العالم الإسلامي ممن نعرّج عليهم بعد قليل لمساعدتهم ونشر أفكارهم بين المسلمين . وفيما يلي بعض الوسائل التي استخدموها :

- اختلاق الأخبار وإبراز المثالب : وهذه أولى الوسائل التي استخدمها المستشرقون والمنصرون لتشويه صورة الحياة الإسلامية وعقيدة المسلمين وسيرة رسولهم صلى الله عليه وسلم حتى ينفروا أبناء جلدتهم من الدين الإسلامي ، ويصورون المسلمين بأنهم وحوش وسفاكو دماء وأنهم يعيشون حياة تخلف وهمجية ، ويضعون قصصاً وحكايات تؤيد ما يقولون . وقد قل استخدام هذه الوسيلة في الكتابات المتأخرة لا إنصافاً للحقيقة ، وإنما تغييراً في الخطة ، لأن الوسيلة الأولى لم تعد صالحة ولا مقبولة حتى في المجتمعات الغربية . ومن اطلع على كتب القوم وما تكتبه المجلات الصادرة عنهم ودوائر المعارف يجد ذلك واضحاً . فمن الأمثلة والذي يعد من أخف الأمثلة (كارل بروكلمان) المستشرق الألماني الذي يعتبر حجة عندهم بل عند بعض الباحثين المسلمين ، ويعتبرونه من المعتدلين وقد يبالغ البعض فيعتبره من المنصفين في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) ولكن إذا قرأت في هذا الكتاب رأيت العجب العجاب ورأيت التشويه للتاريخ ، بل رأيت الجهل الثقيل ورأيت الكذب الصريح . يقول في ( ص 31 ) : " الكعبة بناء ذو أربعة زوايا يحتضن في إحداها الحجر الأسود ولعله أقدم وثن عبد في تلك الديار وكانت الكعبة تضم تمثال الإله القمري هبل ، بالإضافة إلى الآلهة الثلاث المعبودة اللات والعزى ومناة " . وقوله هذا إما جهل حقيقي وإما كذب وتزوير وهذا أقرب لأن مثله لا يجهل موقع العزى واللات ومناة وهو يبحث في كتب الجغرافيا والبلدانيات الإسلامية التي تحدد مواقع تلك الأصنام .

- ومن الوسائل : إضعاف دراسة التاريخ الإسلامي ومزاحمته بغيره : إن من وسائل دعاة الغزو الفكري إضعاف دراسة تاريخ الأمة الإسلامية في المدارس والجامعات ومراكز العلم في العالم الإسلامي ، ومزاحمته من تواريخ الأمم الكافرة سواء القديم منها أو الحديث مما يضعف شأنه في نفوس الدارسين ، حيث يُعطى لهم بصورة مختصرة ومشوهة ، بينما يفسح المجال لدراسات واسعة في التاريخ القديم ، ويربط سكان كل منطقة بتواريخ الأمم الجاهلية التي عاشت فيها ، ففي مصر الفرعونية ، وفي العراق البابلية والسومرية ، وفي بلاد الشام الفينيقية ، وفي اليمن السبئية والحميرية ، مما يوجد الوطنيات العرقية الضيقة ويفتت الوحدة الإسلامية ، ويشتت أوصال التاريخ الإسلامي ، بحيث يبدو وكأنه نقطة في بحر أو جدول صغير في نهر .

- ومن الوسائل : جعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة هي الصورة الحقيقية لتعاليم الإسلام : إن عرض التاريخ الإسلامي بجعل واقع المسلمين المتخلف هو الصورة الحقيقية لتعاليم الإسلام ، لهو تشويه متعمد ومغالطة للحقائق العلمية والواقع ، والغرض من ذلك تزهيد المسلمين في دينهم والفصل بينهم وبينه حيث يُصوّرُ لهم الدين من خلال درس التاريخ بالصورة المتخلفة التي أنتجها واقع المسلمين اليوم ، المنحرف عن تعاليم الإسلام ، ثم يجعلون المسلم بين خيارين إما أن يصبر على التخلف إذا أراد التمسك بدينه ، وإما أن يأخذ سبيل التقدم لكن عليه أن ينبذ دينه كما نبذت أوربا دينها ، ويخفون بدهاء ومكر الخيار الثالث الذي هو البديل الصحيح عن الخيارين السابقين ، وهو النهوض بالأمة والرجوع بها إلى مستوى دينها الحق ، وبيان أن ما وقعت فيه الأمة من التخلف والانحطاط هو نتيجة طبيعية لتخلفها في عقيدتها وإسلامها ، لا نتيجة تمسكها به كما يصور ذلك أعداؤها .

- ومن الوسائل : إبراز دور الفرق الضالة وتضخيمه : لقد وجد دعاة الفتنة من المستشرقين ومن لف لفهم وسلك طريقهم ، غايتهم المنشودة في الفرق المنحرفة والخارجة على سبيل السنة مثل الخوارج ، والرافضة ، والقرامطة وإخوان الصفا ، والمعتزلة ، والجهمية وأيضاً من الشخصيات الضالة مثل ابن سبأ ، وعبد الله بن ميمون القداح ، والحاكم العبيدي ، وصاحب الزنج ، والحلاج ، وابن عربي ، وغيرهم فنشروا تراثهم واعتنوا بتاريخهم وضخموا أدوارهم وأقاموا المراكز والجمعيات لخدمة ذلك ، مع تصويرهم لحركاتهم وإبرازها على أنها حركات إصلاحية ومعارضة للفساد وهذا كله تزوير للتاريخ وتدليس للحقائق وإخفاء للأهداف الحقيقية التي تسعى تلك الفرق وأولئك الأشخاص إلى تحقيقها وهي تحطيم الخلافة الإسلامية ، وتبديل مفاهيم الدين الصحيحة بمفاهيم باطنية ووضعية .

- ومن وسائلهم : تجاهل الترتيب الصحيح لمصادر التاريخ الإسلامي : إن التاريخ الإسلامي له مصادر أصلية دونها أهل العلم وفق منهجية علمية أصلية مستقلة ولها مراتب في التوثيق وفق شروط معلومة في المؤرخ وفي ما يكتب ، ولكن دعاة الغزو الفكري من المستشرقين والمنصرين وأعوانهم من داخل العالم الإسلامي لا يعرفون هذا الترتيب ، وإذا عرف بعضهم تجاهل ولم يلتزم حتى يحقق رغبته في تشويه التاريخ الإسلامي وأهله ، ولذلك نجدهم يرجعون إلى كتب الحكايات والسمر وكتب الأدب مثل المستطرف والأغاني والحيوان ، وغيرها من كتب الطرائف والنوادر التي لم يقصد مؤلفوها تدوين الحقائق التاريخيه بقدر ما قصدوا إلى جمع الأخبار والحكايات التي فيها تسلية وتغذية للمجالس ، بينما يُغفِلون كتباً من أوثق الكتب بما تضمنت من الحقائق التاريخية مثل كتب الحديث النبوي من المصنفات والسنن والمسانيد والجوامع التي تذكر أخبار السلف بالأسانيد ، ومثل كتب الفقه التي تذكر السوابق التاريخية والقضايا التي وقعت من القضاة والفقهاء والحكام ، ومثل كتب السير والتراجم . فممن شوه التاريخ في القديم : أبو مخنف لوط بن يحيى . الذي بغلت رواياته في تاريخ الطبري قرابة ستمائة رواية استغرقت الفترة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى سنة 132هـ . ونصر بن مزاحم الكوفي ، وله كتب مثل وقعة صفين والغارات وكتاب الجمل . وهو من أعلام الشيعة الغالين ، قال عنه الذهبي " رافضي جلد " . والمسعودي : في كتابه " مروج الذهب " وقد أوضح أهل العلم كابن تيمية وابن حجر وابن خلدون تشيعه وانحرافه في الكتابة عن الصحابة .

وممن شوه التاريخ من المعاصرين كُثر من أبرزهم : طه حسين : فقد اتهم ابن خلدون بالسذاجة والقصور وفساد المنهج . وقام بإعادة خلط الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية بعد أن نقاها المؤرخون المسلمون منها . وقام عليه من الله ما يستحق بحملة على الصحابة والرعيل الأول من الصفوة المسلمة وشبههم بالسياسيين المحترفين في كتابه ( الفتنة الكبرى ) . ووصف الفتح الإسلامي لمصر بأنه استعمار عربي . ولد طه حسين عام 1889م ودخل الأزهر عام 1902م ، وأقبل على دروس الأدب . وبدء يختلف إلى الجامعة المصرية في أول نشأتها وكانت تضم عدداً من المستشرقين الفرنسيين والإيطاليين . وعندما رأوه ناقماً على الأزهر عملوا على إشباع نفسه بالآمال في بيئة الغرب وتأريث الكراهية لبيئة الأزهر . دخل الجامعة المصرية ثم سافر إلى أوربا حيث درس الأدب الفرنسي واللغات ثم عاد إلى مصر ثم سافر إلى باريس حيث جاز امتحان الليسانس وأحرز الدكتوراه عن ابن خلدون عام 1917م ثم عاد إلى القاهرة ليتولى تدريس مادة التاريخ القديم ( اليوناني والروماني ) ثم انتقل إلى الجامعة الرسمية عام 1926م حيث تولى تدريس الأدب العربي وأصدر كتابه في الشعر الجاهلي .

ومن المعاصرين أيضاً : محمد عمارة : الذي يقول " فلا الحرب التي سميت بحرب الردة كانت دينية ولا حرب عليّ مع خصومه كانت دينية ، لأنها كانت حرباً في سبيل الأمر ، أي الخلافة والرئاسة ، وهذه سلطة ذات طبيعة سياسية ومدنية هي الأخرى " . ويعلق في موضع آخر على حديث " الأئمة من قريش " فيقول : " إن خلاصة البحث في هذه الأحاديث ، تجعلنا نعتقد بأن هذه العبارات التي نسبت إلى السنة الشريفة لا تخرج عن أن تكون فكراً سياسياً قرشياً ، كان شائعاً في ذلك العصر ، يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين .

ومن الكتّاب أيضاً : د .عبد المنعم ماجد : حيث يقول " لا نوافق بعض المستشرقين في قولهم إن العرب كانوا مدفوعين نحو الفتوح بالحماس الديني فمن غير المعقول أن يخرج البدوي وهو الذي لا يهتم بالدين لينشر الإسلام " .

ومن الكتاب : جورجي زيدان : من نصارى العرب ولد في بيروت سنة 1861م من عائلة أرثوذكسية ولا يعرف أصل عائلته ، هاجر عام 1883م إلى مصر على باخرة إنجليزية وفي سنة 1891م أنشأ مجلة الهلال التي أصبحت فيما بعد مدرسة لها معالمها الخاصة بها ، هلك سنة 1914م من تحريفاته وتشويهه للتاريخ أنه عمل على حشد أقوال الباطنيين الحاقدين والمستشرقين في التاريخ وأرجها تارة باسم التمدن الإسلامي وتارة باسم روايات تاريخ الإسلام .

وفي مواجهة هذا الصراع فإن هناك علماء ومفكرين أفاضل كانت لهم جهود دافعوا فيه عن التاريخ الإسلامي وقدموا أطروحات وبحوث جيدة في هذا المجال فمن هؤلاء : سيد قطب رحمه الله في كتابه في التاريخ فكرة ومنهاج ، وفتحي عثمان في كتابه أضواء على التاريخ الإسلامي ، وعبدالرحمن الحجي في كتابه نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي ، وعماد الدين خليل في كتابه التفسير الإسلامي للتاريخ ، ومحمد بن صامل السلمي في أطروحته منهج كتابة التاريخ الإسلامي ، وجمال عبدالهادي في كتابه منهج كتابة التاريخ الإسلامي ، والأستاذ محمد قطب في كتابه كيف نكتب التاريخ الإسلامي ، وغيرهم من الكتّاب والمؤلفين في هذا المجال في مواجهة الصراع " ولله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله " .

ثالثاً : مصطلحات الغرب والتاريخ الإسلامي :

لقد كان من تأثير الغزو الثقافي الأوربي للمسلمين أن شاعت بينهم مصطلحات ومفاهيم غريبة عن عقيدتهم وثقافتهم حتى كادت أن تختفي المصطلحات الإسلامية . على أن هذا المنـزلق يتمثل في عدم وعي الباحثين المعاصرين بأن المصطلحات الحديثة إنما تنبثق من رؤية خاصة للفكر الغربي فهي ذات مضامين ودلالات محلية وتاريخية لا يمكن فصلها عن ذلك الوسط الاجتماعي والظروف التاريخية والثقافية التي لابست نشوء هذا المصطلح أو ذاك ، فالمثقفون في العالم الإسلامي كانوا إلى مشارف الخمسينات لا يدركون أن المصطلح جزء لا يتجزأ من التركيبة أو البنية الحضارية لأي مجتمع ، وكانوا في حالة الدفاع عن الذات يحاولون أن يوجدوا لكل عنوان براق في المدنية الغربية مثيله في الإسلام عن طريق عقد مقارنات شكلية لا تعير بالاً للارتباط الوثيق الذي يوجد بين المصطلحات والعقائد والأفكار المنبثقة من واقع مجتمع معين . ولنذكر على سبيل المثال مصطلح اليمين واليسار ، فقد نشأ هذا المصطلح خلال الثورة الفرنسية ، وذلك في اجتماع الجمعية التأسيسية المنعقدة بتاريخ الحادي عشر من شهر أيلول ( سبتمبر ) عام تسع وثمانين وسبعمائة وألف للميلاد ، حيث جلس الأشراف ومؤيدوا النظام الملكي على يمين الرئيس وجلس خصومهم أنصار الثورة على يساره ، حيث أصبحت قاعدة تستخدم لتصنيف الفكر السياسي . ومما لا شك فيه أن هذه الخلفية التاريخية تركت بصماتها على التعريف ، إلاّ أنه في عصرنا هذا أصبحت كلمتا اليمين واليسار تعبيرين مطاطين يختلف مدلولهما حسب الدولة والمراحل التاريخية : فاليسار في دولة ما ، يعتبر يميناً في دولة أخرى . ورغم أن تصنيفات اليمين واليسار لعبة صهيونية ، إلا أن بعض الباحثين وبعض من كتب في التاريخ مع الأسف وظفوها بصورة آلية ، حتى أن بعضهم ألفوا كتباً يصنفون فيها الصحابة رضي الله عنهم إلى يمين ويسار ، وأن قمة الصراع الطبقي في زعمهم كانت بين زعيم اليمين معاوية بن أبي سفيان وزعيم اليسار علي بن أبي طالب ، والتاريخ الإسلامي بالنسبة إلى هؤلاء عبارة عن يسار ويمين ، فالمعتزلة يسار والأشاعرة يمين ، والفلسفة العقلانية الطبيعية عند ابن رشد يسار ، والفلسفة الإشراقية الفيضية عند الفارابي وابن سينا يمين ، والمالكية الذين يقولون بالمصالح المرسلة يسار ، والفقه الافتراضي عند الحنفية يمين ، والتفسير بالمعقول يسار ، والتفسير بالمأثور يمين ، إلى غير ذلك من التصنيفات الغريبة .

إنه يجب الحذر من التقليد الأعمى ، إذ يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي الغربي والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تفقدنا ذاتيتنا المستقلة وينبغي استعمال المصطلحات الإسلامية ، لأنها ذات دلالة واضحة ومحددة ولأنها معايير شرعية لها قيمتها في وزن الأشخاص والأحداث . فالقرآن الكريم قسم الناس إلى المؤمن والكافر والمنافق ، ولكل من الثلاثة ، صفات محددة ثابتة ودقيقة لا تقبل التلاعب فيها . فما ينبغي أن نحيد عن هذا التقسيم إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير إسلامية كوصف الإنسان بأنه يميني أو يساري ، أو غير ذلك من النعوت غير الشرعية والتي ليست محددة بصورة دقيقة وثابتة ، وكذلك فإن الحكم على الأعمال والمنجزات التاريخية والحضارية ينبغي أن تستخدم فيه المصطلحات الشرعية وهي الخير والشر ، والحق والباطل ، والعدل والظلم كما جاءت محددة في القرآن والسنة ، ولا تستخدم معايير الفكر الغربي كالتقدمية والرجعية . وقد تابع الباحثون العرب الغربيين في كل شيء حتى في المصطلحات ذات العلاقة بالتوزيع الجغرافي والتوزيع التاريخي التي لا صلة لها بواقعهم أو تاريخهم ، ففي إطار التوزيع الجغرافي وضع الغربيون مصطلحات الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى ، وهي مصطلحات يستعملها العرب اليوم بلا بصيرة ، وذلك لأن المستعمر الأوربي اعتبر نفسه في مركز الأرض فأطلق هذا التوزيع بالنسبة لموقعه . وكذلك التوزيع التاريخي مثل العصور القديمة والعصور الوسطى والعصور الحديثة ، فهذا التوزيع يتميز بمراحل وتقلبات تاريخية عاشتها أوربا مما يجعل لكل فترة من هذه الفترات خصائص ومفاهيم مستقلة تبعاً للتطورات والانقلابات الفكرية والعقائدية التي عاشتها أوربا في كل حقبة من هذه الحقب ، فالعصور القديمة تميزت بالوثنيات الإغريقية والرومانية ، ثم جاءت العصور الوسطى فعرفت هيمنة الكنيسة وتسلط البابوية ، بينما كان من سمات العصور الحديثة ظهور النظم العلمانية والدول الحديثة ، أما التاريخ الإسلامي بما فيه تاريخ الأنبياء فهو وحدة واحدة بالنظر إلى المفاهيم والمبادئ السائدة فيه التي لا تتبدل تبعاً لتبدل الزمان والدول والحكام ، لأنه تاريخ أمة ذات عقيدة واحدة ثابتة لا يطرأ عليها التغيير ، ولذلك ليس بلازم أخذ هذا التوزيع الأوربي ولا متابعتهم عليه ، لأنه يفتت تاريخنا ويوجد الحواجز بين عصوره ، فهل يعي المؤرخون المعاصرون هذا ؟ قال الله تعالى : ( إنه لقول فصل وما هو بالهزل ) .

رابعاً : تفسير التاريخ من خلال السنن الربانية :

ومن خلال السنن الربانية في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم نفهم التاريخ ، ونفسر أحداثه ، ونعرف عوامل البناء والأمن والاستقرار والبقاء ، وعوامل الهدم والخوف والسقوط والتدمير ، وأن هذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي ، والطاعة والمعصية ، والإيمان والكفر ، والتوحيد والشرك ، فإذا أتى الإنسان بالأمر واجتنب النهي ووقف عند حدود الله ، أصاب خير السنة الربانية ، وإذا أهمل الأمر وخالفه وارتكب المنهي عنه ووقع في حدود الله أصاب شر السنة الربانية ، قال الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . وقال تعالى : ( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . وقال سبحانه : ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) . هذا هو المنهج الذي يفسر به تاريخ البشرية كلها ، الوزن بميزان العقيدة والإيمان ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ) . فالتاريخ ليس مجرد سرد للحوادث فحسب ، بل هو تفسير لتلك الحوادث وتقويم لها ، ومن ثم أصبح التاريخ أحد الأسلحة التي تستخدم في مجال التوجيه وصياغة الأفكار ونشر المبادئ وتأييدها ، كما أنه أصبح يأخذ دوره في الصراع العقائدي بين الأمم . فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ دين وعقيدة قبل أن يكون تاريخ دول ومعارك ونظم سياسية ، لأن العقيدة هي التي أنشأت تلك الكيانات من الدول والمجتمعات بنظمها السياسية والإدارية والتعليمية والاقتصادية وغيرها .

إن للإيمان دوره في تفسير الأحداث ، فدارس التاريخ الإسلامي إن لم يكن مدركاً للدور الذي يمثله الإيمان في حياة المسلمين ، فإنه لا يستطيع أن يعطي تقييماً علمياً وواقعياً لأحداث التاريخ الإسلامي . وعلى سبيل المثال : فهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة كانت هجرة من أجل المبدأ ، يوجهها الإيمان الذي كان بالنسبة للمسلمين المهاجرين المحرك الذي ساق الأفراد والجماعات إلى مصائرهم وإلى صنع تاريخهم ، فلم تكن هجرة من أجل الوطن أو المال أو المنصب ، إذ تركوا مِن ورائهم وطنهم وأموالهم ودورهم ومتاعهم فراراً بدينهم من الفتن واستمساكاً بعقيدتهم ، فقدموا بذلك مثالاً عالياً من التضحية والإخلاص في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا . وعند البحث مثلاً عن الأسباب التي أدت إلى انتصار المسلمين في معركة اليرموك سوف نجد أن عدد الروم ستة أضعاف عدد المسلمين ، وجيش الروم جيش نظامي مدرب وجيد التسليح ، بينما الجيش الإسلامي أقل منه عدداً وعدة وتدريباً ، ويقاتل بعيداً عن مركز الخلافة ، ومع ذلك حصل له النصر المبين . على أن المتأمل والباحث في الأسباب المادية المنظورة بحثاً عقلياً مجرداً لا يستطيع أن يقبل نتيجة المعركة رغم أنها متواترة حساً وواقعاً ، وهذا يرجع إلى الجهل بالعوامل الحقيقية المحركة للتاريخ الإنساني في غيبة العلم الصحيح وإلى أغفال سنن الله في الخلق ، وهي سنن ثابتة وصارمة ( فلن تجد لسن الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ) .

ومن سنته تعالى في البشر أن الأمم التي تبطر معيشتها ، وتعيش في الترف وتنهمك في الملذات ، وتقارف الآثام والذنوب ، لابد أن يصيبها العقاب إن آجلاً أو عاجلاً وسواء كان عذاباً مادياً حسياً أو عذاباً معنوياً قال تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) فهلاك القرى إنما يجيء بعد وجود طبقة المترفين الذين يفسقون فيها ، والأمر هنا هو أمر قدري كوني ، ولا داعي لتأويلها بأن الله سبحانه وتعالى أمر المترفين بأن يقيموا حدود الله فلم يقيموها فحق عليهم القول ، لأن المترفين في الاصطلاح القرآني قد فسدت فطرتهم فلا يستحقون هذا التكريم . وما هذه الأمراض الفتاكة التي تظهر بين الفينة والأخرى وتستعصي على الطب والأطباء ، إلا من عذاب الله لهذه الأمم التي انغمست في حمأة الرذيلة وما هذا القتل المستمر بين الناس لا يدري القاتل والمقتول فيمَ يقتتلان وما هذه الزلازل المدمرة في لحظات وثوان ، إلا من عقاب الله الظاهر والخفي . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مطبقاً هذه القاعدة على التاريخ الإسلامي فيقول : ( وقد أصاب أهل المدينة من القتل والنهب والخوف ما لا يعلمه إلا الله ، وكان ذلك لأنهم بعد الخلفاء الراشدين أحدثوا أعمالاً أوجبت ذلك ، وكان على عهد الخلفاء يدفع الله عنهم بإيمانهم وتقواهم ) انتهى ..

وأما ما حل بالأمم السابقة بسبب فساد أخلاقها فهو معروف مشهور وأكبر مثال على ذلك ما حل بالدولة الرومانية ، فقد سقطت أمام جحافل الزاحفين عليها وكأنها لم تكن ، والفساد والبطر الذي تمارسه أوربا في هذا العصر حدا بالعقلاء منهم إلى ارسال صيحات الإنذار والخطر ، يقول الكسس كاريل : ( وهذا هو السبب في أن الأسر والأمم والأجناس التي لم تعرف كيف تميز بين الحلال والحرام تتحطم في الكوارث ، فمرض الحضارة والحرب العالمية نتيجتان ضمنيتان لانتهاك حرمة النواميس الكونية ) .

ومما هو قريب من السنة السابقة : سنة أن الناس هم المسؤولون أمامالتاريخ عن رقيهم وانحطاطهم ، قال الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) فالتغيير يجب أن يبدأ من الإنسان ، والله سبحانه وتعالى ييسر له السبل التي يريدها ، والأمة التي تعشش فيها الأفكار الميتة والأنانية والبغض والحسد ، وقد ركنت إلى الكسل والخمول ، هذه الأمة لا يمكن أن تنتج تقدماً أو شيئاً يذكر ، بل إن من السنن الربانية التاريخية أن حكماً علمانياً يمكن أن يستمر ويزدهر بالاتحاد والعدالة أكثر من حكم أدعياء الإيمان إذا ما ركنوا إلى الأخلاق المنحلة وإلى الفوضى والعصيان .لقد نقل الإسلام العرب نقلة بعيدة غيرت ما بأنفسهم تغييراً شاملاً وجذرياً وكل الأفكار القاتلة من عصبيات وخرافات وعقائد ساذجة مضحكة ، كل هذا تَغيّر بعقيدة التوحيد الواضحة الشاملة لكل مناحي النفس الإنسانية وعندئذٍ استطاعوا تغيير ما بأنفس الأمم الأخرى ، لقد بدأ التغيير بكلمة ( إقرأ ) ، إن تدبر القرآن الكريم والسنة النبوية كفيلان بتغيير ما بالنفس من أمراض ليعود رجل الفطرة إلى دوره في السير على هدى الله ويحقق ما خلق من أجله . وإن تغيير ما بالنفس ليست عملية صعبة فهذه أمم في العصر الحديث استطاعت أن تنهض من كبوتها بسبب وجود الإنسان الذي اكتملت فيه الشروط النفسية للتغيير وليس بسبب وجود المادة وتراكمها وأكبر مثال على ذلك ما فعله الشعب الألماني الغربي بعد الحرب العالمية الثانية ، وكيف عمّر بلده بعد أن أصبح خراباً بسبب الحرب ، ورجعت ألمانيا كأقوى الدول الغربية اقتصادياً ، وصدق فيهم ما قاله الصحابي عمرو بن العاص عن أجدادهم الروم : ( وأسرع الناس إفاقة بعد مصيبة ) ، وعندما يغير المسلمون ما بأنفسهم سيأخذ الله سبحانه وتعالى بأيديهم ، لأن هذا وعده " ومن أصدق من الله قيلا " .

ومن سنن التاريخ أن في صراع الحق والباطل سينتصر الحق في النهاية وإن انتفش الباطل وعربد في البداية ، وهذه سنة نلاحظها في تفاصيل الحياة اليومية كما نلاحظها في الأحداث الكبار . قال الله تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ، فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ، كذلك يضرب الله الحق والباطل ، فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، كذلك يضرب الله الأمثال ) . والمسلمون هم أحق الناس بهذه السنة وإذا تأخر عنهم النصر فلأمر ما في نفوسهم ، أو لأنه لم تتمحص صفوفهم وكيف لا ينصرهم الله سبحانه وهم أولياؤه ، وهل يستوي المجرمون والمسلمون ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) وهذا الكلام ليس من باب ( نحن أولياء الله وأحباؤه ) فهذه لا يفكر فيها المسلم ولكنها من باب وعد الله الصادق بنصر المؤمنين عندما يكونون مؤمنين فعلاً قولاً وعملاً ، وليس من قبيل الأماني ويجب أن يعتقد من تأخر عنه النصر والتمكين أنه ما تأخر إلا لسبب أو لأسباب ، فلا يلومنّ إلا نفسه ، ولا يضع المعاذير لنفسه ويلقي بالتبعة على غيره . إن هذه الأمة أمة غير منقطعة بل إنها أمة مستمرة بإذن الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فهي لا تضعف في جانب إلا وتقوى في آخر ، ولا تهزم في ناحية إلا وتنتصر في ناحية أخرى . واستقراء التاريخ الإسلامي يؤيد هذا ، فعندما ضعفت الدولة العباسية ظهر السلاجقة في خراسان وأنقذوا الخلافة من سيطرة الباطنيين ، وكان من آثارهم بعد الله عز وجل السلطان العادل نور الدين محمود الذي تصدى للهجمة الصليبية على بلاد الشام ، كما ظهر الغزنويون في الأفغان والهند ، وكان مؤسس الدولة محمود الغزنوي من السلاطين الذين يحبون العلم والجهاد في سبيل الله ، وعندما ضعف الإسلام في المغرب وفي مصر ظهر صلاح الدين الأيوبي واستعصت القسطنطينية على الأمويين ولكنها استسلمت للعثمانين الذين حققوا بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بفتحها ، وعندما أُخرج المسلمون من الأندلس كان الإسلام قد انتشر بواسطة الدعاة في وسط أفريقيا وفي جزر أندونيسيا . " ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا " .

خامساً : ماذا سيكتب التاريخ ؟ :

لابد أن نعلم،بأن التاريخ لا يترك شيئاً إلا سجله وسطره . هذه حقيقة فالتاريخلا يترك شيئاً . وسيكتب التاريخ عنا كل شيء كما شاهده ورآهكما كتب عن الأمم قبلنا ونقله إلينا ، إننا نقلب صفحات تاريخ من سبقونا،ونتعجب من بعض ما حدث في تلك الأزمان،من معارك وغزوات لا سبب لها،من قيام دول وسقوط أخرى . من ظلم وعدل ، من جور وإنصاف . نقرأ في كتب التاريخ،سير علماء ودعاة وولاة وتجار وزهاد،سير رجال ونساء وشيوخ . وفي بعضها تتعجب وأنت تقرأ ، دولة تسقط بسبب الظلم،وأخرى تقوم أيضاً بسبب الظلم تقرأ عن تجار قصصاً أحياناً تقف حيراناً أمامها تقرأ مواقف لعلماء تندهش من مواقفهم وتقرأ لعلماء مواقف معاكسة تندهش أيضاً من مواقفهم ، تقرأ عن زعماء كيف كيد بهم،وكيف قُتل بعضهم بأيدي أقرب الناس إليهم . تقرأ عن مجاهدين ، صولات وجولات ،وتقرأ في المقابل عن وزراء وسلاطين خيانات وخذلان . نقلب صفحات تاريخهم لنأخذ العبرة والعظة وسيأتي بعدنا من يقلب صفحات تاريخنا،أيضاً ليأخذ العبرة والعظة .

يا جامعى حطب التاريخ في قلم
هلا وعيتم دروس الأمس دامية
فالقلب أن يعزف الإيمان نبضته

لا تحرقون سوى الأيدى بلا حذر
هلا استجبتم لضم القوس للوتر
كان الجناحان ملئ السمع والبصر

ينبغي أن نتسائل وأن يشغل بالنا ،ماذا سيكتب التاريخ عنا ؟هل سيكتب انتصارات للمسلمين حققوها ؟ أم سيكتب فتوحات للجيوش الإسلامية وهي تفتح أراضي الكفار،تنشر دين الله في كل مكان ؟ أم سيسجل التاريخ بداية تفرق الكلمة،وبداية التنازع من جديد وتشتت القوى الإسلاميةواشعال نار الحقد والحسد والتباغض،على جميع المستويات ؟ نتسائل ، هل سيكتب التاريخ عن هذه المرحلة،التحام المسلمين،ووقوفهم صفاً إلى صف،وجنباً إلى جنب،ضد أعدائهم لتكون كلمة الله هي العليا،وكلمة الذين كفروا السفلى ؟ أم أن التاريخ سيكتب وقوف بعض صفوف المسلمين بجانب الكفار ضد اخوانهم المسلمين واشعال ملحمة دموية،وهتك للأعراض،وسلب للأموال،وانتهاك للحرمات،وظلم وعدوان، يقتل بعضهم بعضا،ويسبى بعضهم بعضا ؟ هل سيكتب التاريخ صفحات بيضاء لأمتنا وهي تقاوم المنكرات وتنشر المعروف وتقاوم الرذيلة ؟ أم سيكتب التاريخ بأن أخزى مرحلة من عمر الأمة في نشر الرذيلة والترويج للفساد وقلة الحياء،وتفسخ النساء،وكثرة الديوثين هي هذه المرحلة ؟ هل سيكتب التاريخ بأن هذه المرحلة كانت فترة ازدهار للعلم وتأليف للمؤلفات ونشر الكتب وفترة علمية لطلاب العلم وبث للتصورات الصحيحة والعقائد السليمة ؟ أم أن التاريخ سيكتب عكس ذلك ؟ هل سيكتب التاريخ مواقف بطولية،ومواقف شجاعةلعلماء الأمة،والدعاة وطلاب العلم،حيث كان لهم دور بارز،في نصح الأمة،والصدع بكلمة الحق التي لم يسمعها كثير من المسلمين حتى الآن ، وكان لهم دور في إيضاح المنهج الصحيح،منهج أهل السنة والجماعة ،أم أن التاريخ سيكتب عن مواقف معاكسة لبعض من ينتسب للعلم،حيث كانت لهم مواقف مؤلمة،ومع الأسف لم يكونوا على مستوى الأحداث وفي المقابل كان البعض منهم يصفق وراء كل ناعق،ويردد ما يقوله غيره دون وعي بالواقع الذي يعيش فيه ، فاتبعتهم العامة في أقوالهم،وساروا وراءهم وعظموا بعض الشخصيات،تبعاً لهم وصار حال كثير من المسلمين،في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي،أنها تعظم أصناماً لكن أصناماً من لحم ودم،وليست أصناماً من حجر .

هرعنا نصنع الأوثان لحماً
نأله كل سلطان منيع
وليس العيب في الأصنام إنا
وصار لكل انسان إله

وكانت عندهم حجراً وطينا
تربع فوق هامتنا سنيناً
أقمناها فكنا الظالمينا
بداخله يقود له السفينا

سادساً : كيف دخل العرب للتاريخ ؟ :

وهل فعلاً دخل العرب التاريخ؟وإذا أرادت أمة من الأمم أن تدخل التاريخ،وتُذكر في صفحاتها،ويخلد ذكرها،فما هي الطرق والوسائل التي من خلالها يمكن لها أن تلج باب التاريخ ؟ ولو قدر لأمة من الأمم أن تدخل وتُذكر في التاريخ،فهل يمكن أن يقدر لها وتخرج منه كما دخلت وتُنس بعد ما كانت تذكر ؟ أم أن كل من دخل التاريخ لا يخرج منه ؟ ومن سُطّر ذكره في صفحات التاريخ لا يمكن أن يمحى ؟

إن دخول شعب في التاريخ ليس بالأمر اليسير ، أن يُذكر شعب أو أمة ويخلّد في التاريخ وتتناقل أخباره الأجيال،جيلاً بعد جيل،ليس بالأمر الهين . فقد تظل شعوب كثيرة غنية بالمواهب والطاقات ، زاخرة بالحياة والنشاط،منطوية على نفسها،منعزلة عن العالم،مغمورة مطمورة قروناً كثيرة وآلافاً من السنينلا يعيرها التاريخ اهتماماً ،ولا يلقي لها بالاً . والتاريخ كما يقال،صيرفي حاذق،لا يقبل إلا من وفى بشروطه،ورجح في ميزانه . لابد أن نعلم جيداً بأن التاريخ جاد غير هازلمشغول غير عاطل، التاريخ لا يجامل أحداً،ولا يفتح صدره ولا يفسح المجال لمن يريد أن يدخله إلا لمن أقنعه بصلاحيته،أو أرغمه على الاهتمام بشأنه،بقوته وانتصاراته،وشق طريقه إلى الأمام،واحتل الصدارة أو الزعامة،في مصاف الشعوب والأمم،وعلى مسرح العالم .

إذا استعرضنا التاريخ استعراضاً شاملاً وجدنا أن هناك ثلاثة مداخل تدخل منها الشعوب والأمم التاريخ . وتفرض على المؤرخين والمؤلفين التنويه بشأنها،وتدوين أخبارها،والاعتراف بفضلها،وتحجز لنفسها مكاناً خاصاً .

المدخل الأول : وهو مدخل عام واسع،دخل منه أكثر الشعوب والأمم للتاريخ وهو مدخل الغزو والفتح والاستيلاء والحكم ، خذ مثالاً الروم فقد استولوا في الزمن السابق بفروسيتهم النادرة وقوتهم الحربية وصلاحيتهم القيادية على رقعة واسعة من العالم القديم،ودخل الروم التاريخ ، وأسسوا إمبراطورية من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ وعُرفوا بقوة الإدارة والتنظيم وقيادة الجيوش وسن القوانين،وبقوا مدة طويلة يحكمون عدة شعوب وعدة ولايات في القارات الثلاث،أوربا وآسيا وأفريقيا . وضبطوا البلاد ضبطاً محكماً،وحكموا بيد من حديد،ولكن الواقع أن الشعوب التي كانوا يحكمونها لم تفتح صدرها لها ،بل بقيت تنظر إليهم كمستعمرين وفاتحين وحكام جبارين لا يدينون بمبدأ المساواة البشرية،ولا يحملون احتراماً للإنسانية ،وقد كان الرومان أنفسهم يعتقدون أنهم خُلقوا ليسودوا ويحكموا،وأن الشعوب الأخرى خلقت لتطيع وتخدم . فكانت الشعوب المحكومة تتحين الفرص للتخلص منهم،ثم ماذا حصل بعد ذلك ؟ تسرب الوهن على مدى الأيام إلى الجهاز الإداري،والطبقة الحاكمة،واشتد تذمر المحكومينفحدثت ثورات إثر ثورات وانتشرت الأطراف،وساد الاضطراب،فتحررت بلاد كثيرة واستقلت ولايات ، واعتبر أهلها ذلك تحرراً من التسلط الأجنبي،والحكم الاستبدادي،وحسبت نفسها سعيدة منتصرة لمّا خرجت من حكمهم .

مثال آخر من الذين دخلوا التاريخ وسُطروا في صفحاته عن طريق الغزو والفتح والاستيلاء والحكم،هو الفاتح الشهير الذي نال من الشهرة العالمية قسطاً لم ينله فاتح آخر،وهو الإسكندر بن فيلبس المقدوني،وقد نهض من أثينا يدوخ العالم ويفتح البلاد ويُخضع الشعوب والأمم،ويدك العروش ويدوس التيجان،ويجعل القرى والمدن خاوية على عروشها،يسودها الظلام والوحشة وكان عمله مصداقاً لقول الله عز وجل في وصف الملوك : " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " ولكنه كان كعاصفة مرت بالبلاد والعباد،فاطفأت النيران وأخبت المصابيح وخلعت القلوب،وأرعبت النفوس،ثم هدأت